English

تقارير وتحليلات

آفاق إفريقية

بحوث ودراسات

تقارير مترجمة

صورة أرشيفية

تدخل أمريكي بنيجيريا سيغذي مزاعم "محاربة الإسلام"

ألقى الرئيس النيجيري جودلك جوناثان خطبة هامة في "القمة الإقل..المزيد


المزيد

صحافة إفريقية

رسم افتراضي لسد النهضة الإثيوبي وموقعه على الخريطة

وزير الدفاع الإثيوبي : مستعدون للدفاع عن سد النهضة

قالت الحكومة الإثيـوبية أن قواتها مستعدة لصد أي هجوم "محتمل ..المزيد


المزيد





قراءات افريقية | قراءة في ظاهرة الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى الغرب

قراءة في ظاهرة الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى الغرب
 7اكتوبر 2012 - 04:56

أحمد إسماعيل

الهجرة «غير الشرعية» أو «السرّية» مصطلح برز في العقود الأخيرة، وأخذ وضعاً مميزاً في وسائل الإعلام، وفي نقاشات راسمي السياسة في بلدان العالم الأول، حتى إنها أضحت إحدى القضايا القليلة التي يضطر معها العالم الأول للنزول عن كبريائه والتعامل مع العالم الثالث بوصفه لاعباً أساسياً له دوره الرئيس في الحدّ من تلك الظاهرة.

وإفريقيا على وجه الخصوص تُعد أحد الميادين الأساسية التي تجري على أرضها دراما الهجرة، ابتداءً من مغادرة الديار، وحتى الوصول إلى آخر المحطات التي قد تكون على أرض الأحلام في شوارع أوروبا، أو على متن قارب صغير مكتظ بالمهاجرين المغامرين, تتلاعب به الأمواج حتى تسلمه إلى حرس السواحل، أو ينتهي به الأمر إلى الاستقرار في قاع البحر!

وتنبع خطورة الظاهرة من كونها قضية ذات أبعاد وآثار متصلة مباشرة بالأمن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للبلدان المستقبلة للهجرات، أو المصدّرة لها، على حدٍّ سواء, ولهذا ليس بمستغرب أنها أصبحت ملفاً حساساً تمسك به أجهزة الأمن والمخابرات الغربية.

مفهوم الهجرة غير الشرعية:

بشكل عام؛ يشير مصطلح «هجرة» إلى الحركة السكانية التي يتم فيها انتقال الفرد أو الجماعة من الموطن الأصلي إلى وطن جديد يختاره لأسباب عديدة.

وتندرج تحت الهجرة عدة أنواع؛ فهناك «الهجرة النظامية» التي يدخل فيها المهاجر إلى بلد مهجره دخولاً يلتزم فيه بكل قوانين الهجرة في البلد المضيف.

وهناك «الهجرة القسرية» التي يضطر فيها المواطن إلى هجر موطنه قسراً بسبب ظروف قاهرة، مثل الكوارث الطبيعية أو النزاعات والحروب.

أما «الهجرة غير الشرعية» أو «السرّية» أو «غير النظامية» بكلّ مسمّياتها؛ فهي النوع الثالث من أنواع الهجرات، وتُعرّف بأنها «هجرة مواطنين أجانب إلى بلاد في ظروف يكونون فيها غير مستوفي الشروط القانونية للإقامة في ذلك البلد».

ويُعرّف «المهاجر غير الشرعي» بأنه «ذلك الأجنبي الذي يدخل بلداً غير بلده، بغير إذن من حكومتها، أو يبقى فيها بعد انتهاء تأشيرة دخوله»( 1).  

وفي القانون الجزائري تُعرّف الهجرة غير الشرعية بأنها «دخول شخص أجنبي إلى التراب الوطني بطريقة سرّية أو بوثائق مزورة بنيّة الاستقرار أو العمل»(2 ).

ووفقاً للحيثيات السابقة؛ يندرج تحت مصطلح «الهجرة غير الشرعية» صنفان من البشر، هما:

1 - الأشخاص الذين يدخلون بطريقة غير قانونية إلى دول الاستقبال ولا يوفِّقون وضعهم القانوني.

2 - الأشخاص الذين يدخلون دول الاستقبال بطريقة قانونية, ويمكثون هناك بعد انقضاء مدة الإقامة القانونية.

حجم الظاهرة:

ولتصور حجم الهجرة في العالم يكفي النظر إلى إحصاءات الأمم المتحدة، فقد صرّحت المنظمة الدولية للهجرة بأن هناك أكثر من مائتي مليون مهاجر حول العالم في الوقت الراهن( 3).

تستقبل أوروبا النصيب الأكبر من المهاجرين، حيث بلغ عدد المهاجرين الذين دخلوا أوروبا في عام 2005م 70.6 مليون شخص, وتليها أمريكا الشمالية بعدد يزيد عن 45.1 مليون مهاجر، ثم آسيا بحوالي 25.3 مليون مهاجر.

ووسط هذه الملايين من المهاجرين تشكّل «الهجرة غير الشرعية» رقماً مقدّراً، يتراوح ما بين 10 - 15% من إجمالي المهاجرين في العالم، بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية.

غير أن هذا التقدير يظل جزافياً وغير متفق عليه، وذلك لصعوبة رصد الظاهرة، فالمهاجر غير الشرعي غالباً يحرص على التخفي، بالإضافة إلى أن مصطلح «مهاجر غير شرعي» يشمل أصنافاً متعددة من المهاجرين، منهم المهاجر المتسلل بطريقة غير قانونية، ومنهم المهاجر الذي دخل بطريقة قانونية، ولكن مدة إقامته انتهت، وواصل الإقامة بطريقة غير قانونية.

ولهذا تتضارب التقديرات, بشأن المهاجرين السّريين إلى درجة كبيرة، بين المنظمات المهتمة بشأن الهجرة.

وتوقعت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير أصدرته مؤخراً ازدياد الهجرة غير المنظمة جراء الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم الآن، ومع أنه لا يمكن تقدير حجم هذه الزيادة نظراً لطبيعتها؛ فإنها أكدت أن حوالي 15% على الأقل من المهاجرين في العالم غير نظاميين.

إفريقيا والهجرة غير الشرعية:

وتمثل إفريقيا أكبر مصدر للمهاجرين إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، سواء كان أولئك المهاجرون من دول الشمال الإفريقي، أو من بقية أجزاء القارة، وتتسبب المشكلات السياسية والاقتصادية التي تعانيها القارة، بالإضافة إلى النزاعات والحروب، في الدفع بأعداد كبيرة من المهاجرين، غالبهم من الشباب – من الجنسين-, إلى الهجرة نحو الشمال بحثاً عن حياة أفضل.

«ويصنّف الباحثون (في مجال النازحين واللاجئين) إفريقيا إلى دول مستضيفة للاجئين وأخرى مصدّرة، أي متسببة في لجوئهم، وتُحدد ست دول باعتبارها أكثر الدول المصدّرة للاجئين في إفريقيا, وهي: سيراليون 450.000 لاجئ، والصومال 419000، والسودان 374000، قبل أزمة دارفور، وإريتريا 320000، وبوروندي 300000، إبّان أزمة البحيرات، وأنغولا 255000 لاجئ. ويحصرون أربع دول باعتبارها الدول المستضيفة للاجئين في إفريقيا, وهي: غينيا كوناكري 470.000، والسودان 390.000، وتنزانيا 350.000، وإثيوبيا 317.000 لاجئ»( 4).

وبطبيعة الحال؛ هناك فروق كبيرة بين المهاجرين السرّيين، وبين اللاجئين والنازحين الذين تجبرهم ظروف الأزمات إلى الهجرة، خصوصاً أن الأخيرين تساندهم القوانين الدولية وتنظّم أوضاعهم، غير أن ظروف النزوح واللجوء بسبب الأزمات تمثل أكبر دافع للهجرة غير الشرعية، فكثيراً ما يتحوّل أولئك اللاجئون إلى مهاجرين غير شرعيين، حيث إن أعداداً كبيرة من أولئك المهاجرين تكون وجهتهم دولاً داخل القارة، وربما يتخذونها مهجراً أساسياً، أو معبراً إلى خارج القارة.

ولإفريقيا تاريخ طويل مع الهجرة، فهي أرض يمثّل الحراك السكاني فيها نمطاً رئيساً من أنماط الحياة، فالبحث عن الأرض الخصبة، للزراعة المستقرة، أو لرعي الماشية، كان واحداً من أقدم أسباب الهجرات في إفريقيا.

ويدخل العنصر الديني في هذا الجانب التاريخي لهجرات الأفارقة، فقوافل الحجيج المسلمين، خصوصاً من الغرب الإفريقي، الذين يقطعون مسافات طويلة في طريقهم إلى الأرض المقدّسة، كانوا واحداً من أنماط تلك الهجرات، وغالباً يستقر الأمر بأولئك الحجيج – سواء في رحلة الذهاب أو العودة – إلى الاستقرار في أرض جديدة غير أرضهم الأصلية, وقد ظل طريق الحج القديم شاهداً على مجتمعات تكوّنت وانتشرت على طول ذلك الخط الواصل بين غرب القارة وشرقها! هذا بالإضافة إلى «انتقال الطرق الصوفية من بلد إلى آخر بشيوخها وطلابها، مثل انتقال التيجانية من غرب إفريقيا إلى السودان، في إقليمي كردفان ودارفور»(5 ).

أسباب هجرة الإفارقة ودوافعها:

الأسباب والدوافع التي تجعل الإفريقي يغادر موطنه مهاجراً إلى بلد آخر، ويتكبد المشاق والمخاطر التي قد تنتهي به إلى مصير مجهول، كثيرة، ولكن تظل الأسباب التي تفرضها ظروف الأزمات الاقتصادية والسياسية أو الأمنية هي الأساس في هجرات الأفارقة.

تعاني إفريقيا إشكالات عديدة، ترجع إلى طبيعة البنى التي خلّفها الاستعمار، من اقتصاد هش، وأسباب نزاع متوافرة, عرقية كانت أو دينية، أو بسبب الأنشطة الاقتصادية من زراعة ورعي.. إلخ، ولكن العوامل الاقتصادية, من بطالة وفقر وتدني مستوى معيشة، تحتل مكان الصدارة بين دوافع الهجرة، خصوصاً حين تعلم أن الشباب يشكّلون القطاع الأكبر من المهاجرين الأفارقة, فرحلة البحث عن مستقبل هي الهاجس الدائم الذي يسكن هؤلاء المغامرين، ويدفعهم إلى ركوب المجهول فراراً من واقعهم المحدود.

1 - البطالة:

تسجّل معدلات البطالة في إفريقيا أرقاماً قياسية بالمقارنة مع عدد السكان، خصوصاً في قطاع الشباب، حيث أشار تقرير لمنظمة العمل الدولية صدر عام 2009م؛ أن 13% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 - 24 يصبحون عاطلين عن العمل بنهاية عام 2010م, وذلك يعني أن 81.2 مليون من الشبّان في سنّ العمل أصبحوا فعلياً بلا وظيفة.

وتوقع التقرير أن تواصل البطالة الارتفاع في 2011م على الرغم من انتعاش اقتصادي عالمي متوقع, لكن بوتيرة أبطأ في جميع المناطق, ما عدا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا, حيث ستستمر البطالة في التسارع.  

وتساوي استدامة البطالة انسداد الأفق لدى الشباب المتطلع لأخذ دوره في الحياة، ومن ثم فإن كيان الدولة بنظامه الاقتصادي والسياسي، يكون بنظر الشاب هو المتحمل الأوحد لمسؤولية الأوضاع، فتكون النتيجة إما ثورات شبابية تطيح بالأنظمة، كما حدث في الآونة الأخيرة، أو محاولات للهجرة والخروج من الواقع المزري، مهما كلّف الأمر، وهو ما ظل يحدث لسنوات طويلة.

2 - عدم التناسب بين الزيادة في التعليم العالي وفرص العمل المتاحة:

ومن أهم العوامل التي زادت في حجم البطالة، وأسهمت في تحويلها إلى قوة دفع أساسية لهجرات الشباب، عدم التناسب بين فرص العمل وبين الزيادة المضطردة في التعليم العالي، والذي تخرّج مؤسساته كلّ عام آلافاً من الشباب من حملة الشهادات الجامعية، ليلتحق قسم كبير منهم بطوابير العاطلين، أو يحاولون التحرك بخطوات جريئة لتغيير الواقع عبر الهجرة إلى الخارج.

وأحياناً لا تكون البطالة هي المشكلة في هجرة حملة الشهادات العليا، بل إن عدم قدرة البلد على استيعاب التخصصات، أو تقدير الكفاءات، وأحياناً عدم توفير بيئة عمل مناسبة لأصحاب التخصصات، مثل الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، تدفع بهم إلى الهجرة بحثاً عن ظروف أفضل، في دول تقدّر كفاءاتهم, ومن هنا نشأ ما يُسمّى «ظاهرة هجرة العقول».

3 - الفقر:

يساوي البطالة في كونه عامل طرد أساسي، يدفع الإنسان إلى البحث عن منافذ أخرى للكسب، وزيادة المداخيل، خارج وطنه، ويزيد إلحاح الخروج لديه النمو المتسارع لاقتصادات الدول الأخرى.

وعلى الرغم من النجاح النسبي الذي حققته القارة الإفريقية في رفع مستوى معيشة الأفراد؛ فإن حصة إفريقيا ممن يعيشون تحت خط الفقر (أي من يحصلون على أقل من دولار أمريكي يومياً) ما زالت هي الأكبر, حيث يُقدّر عدد هؤلاء بحوالي 522 مليوناً في جنوب آسيا في عام 1998م، بالمقارنة بما يقرب من 291 مليوناً في إفريقيا جنوب الصحراء، و 278 مليوناً في شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ, وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلتها دول القارة لخفض نسبة هؤلاء؛ فإن النجاح كان نسبياً, حيث تمكنت القارة من خفض نسبة من يعيشون تحت خط الفقر بواقع 1.4% فقط في الفترة من 1990م وحتى 1998م، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بالنجاح الذي حققته القارة الآسيوية, حيث انخفضت النسبة بواقع 4% في منطقة جنوب آسيا، و 12.3% في منطقة شرق آسيا.

وفي شرق إفريقيا؛ هناك ما يُقدّر بنحو 17.4 مليون شخص يعانون عدم الأمن الغذائي على الرغم من تحسّن الوضع عقب هطول الأمطار الغزيرة الجيدة، وخصوصاً في إثيوبيا والسودان( 6).

4 - تدني مستوى المعيشة وعدم الخدمات الأساسية:

وهو نتاج رئيس للانحطاط الاقتصادي، والإخفاق في خطط التنمية، وسوء سياسات الدولة، وحين يفقد الناس حقوقهم الأساسية في أبسط الخدمات التي ينبغي أن توفّرها الدولة، من صحة وتعليم، وطرق ووسائل مواصلات، تتحول الحياة إلى ضرب من ضروب المعاناة الدائمة، ويسعى الإنسان إلى تغييرها بأي شكل، خصوصاً عندما تلوح في أفقه أخيلة عوالم شبه أسطورية مما يسمعه، أو يقرأه، أو يشاهده عبر وسائل الإعلام عن الدول الأخرى.

وأوضحت دراسة تم إجراؤها مؤخراً في 24 بلداً إفريقيا أن تردي أوضاع البنية الأساسية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء - في مجالات الطاقة الكهربائية والمياه والطرق وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات - يؤدي إلى انخفاض النمو الاقتصادي الوطني بواقع نقطتين مئويتين سنوياً, وإلى تقليص إنتاجية مؤسسات الأعمال بما يصل إلى 40%.

وخلُصت هذه الدراسة الصادرة بعنوان «البنية الأساسية في إفريقيا: حان وقت التحوّل» إلى أن البنية الأساسية في إفريقيا هي الأشد ضعفاً على مستوى العالم، ومن المفارقات أن تكلفة الخدمات الأساسية تجعل الأفارقة في بعض البلدان يدفعون ضِعف ما يدفعه الناس في مناطق العالم الأخرى(7 ).

5 - وسائل الإعلام:

أسهمت الطفرة الكبيرة في وسائل الإعلام والاتصالات في خلق حوافز وعوامل جذب للهجرة بشكل كبير، فحين تكون المفارقة كبيرة بين الواقع الذي يعيشه الإفريقي في بلده وبين ما يراه على وسائل الإعلام من أشكال الرفاهة الاقتصادية في دول العالم الأول، أو حتى دول العالم الثالث التي بلغت درجة أفضل في النمو الاقتصادي، يتحول حلم الهجرة لديه إلى همَّة، وبرنامج من أجل المستقبل، يستحق تكبد المشاق وركوب المخاطر.

وفي الآونة الأخيرة؛ أضافت ما تعرف بوسائل الإعلام الجديد «الإنترنت» بعداً جديداً في ترويج فكرة الهجرة غير الشرعية، خصوصاً من خلال مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر، وفيس بوك).

وفي مطلع شهر مايو 2010م انعقد مؤتمر في مدينة لاهاي حول الهجرة غير الشرعية، وأكد الخبراء الذين شاركوا فيه أن الشباب في بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط يعتمدون بشكل متزايد على تقنيات الإعلام الحديث, وخصوصاً شبكات التواصل الاجتماعي, للتواصل مع نظرائهم الأوروبيين أو المهاجرين في أوروبا، بحثاً عن فرص الهجرة, وفي محاولة منهم لتخطي الحواجز الأمنية والقانونية المتعاظمة بين بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط وشماله.

ويعتقد الخبراء أن تأثير تكنولوجيا الإعلام الحديث في تشكيل أفكار الشباب وانطباعاتهم حول موضوع الهجرة ربما يفوق تأثير وسائل الإعلام التقليدية, أي التلفزيون والراديو والصحافة، بالرغم من أهميتها الاستراتيجية.

ولاحظ خالد شوكات، رئيس المنتدى العربي في هولندا ومنظّم «مؤتمر الهجرة غير الشرعية»، أن الدوافع الثقافية والنفسية لدى الشباب للهجرة تزداد أهمية بسبب الدور المتعاظم الذي تؤديه وسائل الإعلام الحديثة وخصوصاً الإنترنت(8 ).

6 - النزاعات والحروب والاضطرابات السياسية:

تشكّل النزاعات والحروب والاضطرابات السياسية واحداً من أكبر العوامل التي تصنع هجرات الأفارقة، خصوصاً «الهجرات داخل إفريقيا»، ويُعرف هذا النوع من الهجرات التي تفرضها ظروف عامة وقاهرة بـ «الهجرة القسرية»، وهي تشمل (اللجوء: حيث يخرج الإنسان من بلده إلى بلد آخر مجاور)، و(النزوح: حيث ينتقل الإنسان من منطقة إلى منطقة داخل وطنه), ويُقدّر ضحايا الهجرة القسرية في إفريقيا بـ 25 مليون شخص؛ منهم 10 ملايين لاجيء (وهو ما يساوي نصف اللاجئين في العالم)، و 15 مليون نازح( 9).

وتضم إفريقيا أكثر من 18 دولة تعاني نزاعات داخلية، وبحسب تقرير صادر عن منظمة أمريكية غير حكومية هي «إنترناشيونال ريسكيو كوميتي»؛ فإن 8.3 ملايين شخص قضوا خلال السنوات الست الأخيرة، موضحاً أن 98% من الوفيات التي حصلت أخيراً سببها أمراض أو سوء تغذية ناتجة عن الحرب( 10).

الموقف الدولي من الهجرة من الهجرة غير الشرعية للأفارقة:

هذا المفهوم تبلور بشكله المعبّأ بالأزمات في خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، نتيجة لتحولات اقتصادية وسياسية كبيرة حدثت في أوروبا، ودول المهجر، وأدت إلى انتقال المصطلح من مجرد تعبير عن حركة انتقال بشري غير قانوني، إلى نموذج تصادمي بين العالم الأول والعالم الثالث.

وفي هذا الصدد يُشار إلى مراحل زمنية محددة، تمثّل نظرة الغرب للهجرة المتدفقة عليه من العالم الثالث، حيث تمثّل إفريقيا جزءاً رئيساً من هذا التدفق.

المرحلة الأولى: كانت فيها أوروبا بحاجة ماسّة إلى عمالة من دول الجنوب، ولهذا كان الغرب يشجّع الهجرات، ويسهّل إجراءاتها، لأنه يرى أنه متحكم في صمامات تدفق المهاجرين من إفريقيا، ودول حوض المتوسط، وزمنياً يمكن تحديد تلك الفترة بأنها الفترة التي سبقت عقد الثمانينيات من القرن الماضي.

المرحلة الثانية: تميزت ببداية ظهور التناقضات المرتبطة بالمهاجرين الشرعيين ومزاحمتهم أبناء البلد الأصليين، وقد تزامن هذا الفعل مع إغلاق مناجم الفحم في كل من فرنسا وبلجيكا, والتي كانت تستوعب آنذاك أكبر عدد من المهاجرين الشرعيين, وفي مقابل هذا الوضع الاحترازي تزايدت رغبة أبناء الجنوب في الهجرة تجاه دول الشمال، وهو ما أدى إلى إغلاق الحدود.

وفي هذه المرحلة بدا واضحاً التصادم بين القيم الأوروبية والمصالح، ففي يونيو من العام 1995م وقّعت عدة دول أوروبية، هي (فرنسا، وألمانيا، ولوكسمبرج، وهولندا), على اتفاقية «شنغن» التي تسمح بحرية التنقل لمواطني الدول الموقّعة. ولمنع المهاجرين من الاستفادة مما تتيحه الاتفاقية من حرية في التنقل من بلد لآخر؛ بدأت بعض الدول تتبنّى إجراءات احترازية في هذا الصدد لمنع أية هجرات جديدة، وكانت مدريد هي أول عاصمة أوروبية تتخذ إجراءات ضد المهاجرين.

وبشكل عام؛ تميزت المرحلة التي بدأت منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي بالاتجاه إلى سنّ القوانين التي تحدّ من الهجرة غير الشرعية، وتطور الأمر إلى تفاهمات مع بعض دول الشمال الإفريقي التي تُعَد معبراً أساسياً تمر عبره أرتال المهاجرين غير السرّيين، لتمتطي بعده ظهر المتوسط إلى سواحل أوروبا( 11).

في نهاية عقد التسعينيات، وبدايات الألفية الثالثة، بدأت قضية الهجرة تتخذ بعداً أمنياً صارخاً، تحوّل شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه الحرب العالمية على الهجرة.

ومع انطلاق «الحرب الغربية على الإرهاب»؛ زادت هواجس أوروبا حيال الهجرة التي يمكن أن تحمل إليها ضمن ما تحمل عناصر إرهابية، وبدأت الرحلة الأوروبية نحو تشديد قوانين الهجرة، بما يكفل تضييق الفرص أمام القادمين إليها من الشرق الأوسط وإفريقيا.

ولكن سياسة التضييق الأوروبية على الهجرة الشرعية أدت إلى انطلاق مارد آخر، هو «الهجرة غير الشرعية» أو «الهجرة السرّية»، فالمهاجرون من دول العالم الثالث الذين لا يرون أمامهم أفقاً آخر غير الهجرة؛ لم يجدوا لهم سبيلاً غير سلوك سبيل التهريب والتسلل عبر وكلاء الهجرة غير الشرعية, ولم يعد الأمر مجرد محاولات فردية معزولة يقوم بها هذا المهاجر، أو أولئك المهاجرون، بل تطور الأمر إلى شبكات منظّمة ومهيكلة حول شبكات متداخلة تغذي إجراماً عابراً للحدود يصعب التحكم فيه.

وبالمقابل في أوروبا؛ تجاوز الأمر الإجراءات القانونية إلى ما يشبه العمليات الحربية التي يخوضها تحالف من الدول الأوروبية، ينفق عليها أموالاً عظيمة، ويستخدم فيالق من حرس الحدود، وأجهزة إنذار مبكر لرصد أي تحرك باتجاه سواحله.

وتحت عنوان «تطهير عرقي» يصف الكاتب المسرحي الإسباني «أنتونيو غالا» هذه الحالة في مقال له بصحيفة «إلموندو» الإسبانية بقوله‏:‏ إنه نظام متكامل للمراقبة الخارجية كي لا يحلم أكثر الناس حاجة بالوصول إلى الفردوس‏, رادارات بعيدة المدى وكاميرات حرارية وأجهزة مراقبة ليلية وأشعة تحت الحمراء وطائرات مروحية ودوريات‏, كل هذا من أجل ثني الساعين إلى دخول سمائنا, ولأجل بناء حصن منيع للإسبان ‏25‏ ألف مليون بيسيتا (بزيتاPeseta ) تُصرف كي يُحرم المحتاجون حتى من الحصول على بيسيتا واحدة‏,‏ وتلافياً أيضاً لتدفق مهاجرين آخرين ما عادت القارة العجوز في حاجة إلى عضلاتهم وأعبائهم الاجتماعية‏.

وبشكل يشبه سياسة أمريكا في حربها على الإرهاب (من ليس معنا فهو ضدنا) بدأت أوروبا تخوض معركتها مع المهاجرين السرّيين, ففي يونيو عام 2002م إبّان قمة الاتحاد الأوروبي بإشبيلية؛ أقدمت إسبانيا – التي تعتبر أهم منافذ الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عبر مضيق جبل طارق - على طرح  مشروع أوروبي مثير، يقضي بمعاقبة الدول المصدّرة للهجرة إذا لم تقبل استقبال المهاجرين المطرودين.

ونصّت القمة في مقرراتها على أن تتضمن اتفاقات التعاون والشراكة الجديدة, والتي يوقّعها الاتحاد الأوروبي مع دول أخرى, بنداً عن الإدارة المشتركة لموجات الهجرة, وعن ضرورة قبول عودة المهاجرين غير القانونيين إلى البلدان التي انطلقوا منها في حال ضبطهم، كما جرى التعهد في القمة نفسها بتقديم مساعدات تقنية ومالية إلى الدول التي تشهد هجرات لمساعدتها على ضبط حركة الهجرة، مع فتح المجال للتفكير المعمق في الأسباب المغذية لموجات الهجرة.

تلك القمة المتشددة؛ وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها «حرب شاملة على الهجرة»، محذّرة من خطر الانغلاق المتزايد لأوروبا( 12).

وفي العام التالي 2003م انعقدت قمة أخرى في سالونيك، حاولت التخفيف من حدّة القمة الأولى، بوضع معايير موحّدة لدول الاتحاد، من أجل التصدي للهجرة غير الشرعية، وتضييق فرص الدخول إلى أوروبا إلا وفق شروط محدّدة, وقد أخفقت القمة في ذلك بسبب الاختلاف بين الأوروبيين في تقييم موضوع الهجرة، وأهميتها بالنسبة للاقتصادات الأوروبية.

وخلال السنوات اللاحقة؛ انعقد العديد من المؤتمرات واللقاءات التي ضمت الدول الأوروبية، والدول المتوسطية في الشمال والجنوب، ولكن أهمها:

مؤتمر الرباط في عام 2006م: بمشاركة عدد من الدول الأوروبية والعربية والإفريقية، وأقر إقامة شراكة وثيقة بين الدول التي يأتي منها المهاجرون والدول التي يتوجهون إليها، والربط بين المساعدات والتنمية، ومكافحة الهجرة غير المشروعة بتعزيز الرقابة عند الحدود، واتفاقيات إعادة قبول المهاجرين السرّيين.

ثم مؤتمر باريس في نوفمبر 2008م: لتنظيم تدفق موجات الهجرة، على ضوء الحاجة إلى الأيدي العاملة في دول الاتحاد الأوروبي.

المؤتمر البرلماني الإفريقي: انعقد بالعاصمة المغربية الرباط في الفترة من 22 – 24 مايو 2008م، وكان حول «إفريقيا والهجرة: التحديات والمشاكل والحلول»، وحاول أن يضع إطاراً قانونياً لقضية الهجرة من خلال عدة تدابير، منها:

- التشجيع على المصادقة والانضمام لاتفاقيتي منظمة العمل الدولية الخاصتين بالمهاجرين، وهما الاتفاقية رقم 96 لعام 1949م حول الهجرة من أجل العمل، والاتفاقية رقم 143 لعام 1975م حول العمال المهاجرين (الأحكام التكميلية), وكذلك الاتفاقية الدولية لعام 1990م حول حماية حقوق كل العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم.

- مطالبة الدول الإفريقية بإعداد مقاربات قانونية مشتركة في مجال الهجرة، طبقاً للموقف الإفريقي المشترك الذي أقره الاتحاد الإفريقي في مؤتمر بنغول في يوليو 2006م.

- دعوة الدول إلى الامتثال لكل الأدوات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين؛ من اتفاقيات، أو بروتوكولات، أو نصوص قانونية.

ولكن المؤتمر أكدّ أن مشكلة الهجرة لا يمكن حلها من خلال التدابير الأمنية وحدها، أو بسياسات منفردة، مركزاً على أهمية الآليات المشتركة في إيجاد حلول لإشكالات الهجرة، وداعياً البرلمانات الإفريقية إلى تشكيل لجان خاصة حول قضايا الهجرة, وطالب الدول الإفريقية باعتماد إصلاحات سياسية تستهدف انتهاج الديمقراطية والشفافية واحترام حقوق الإنسان، وتسوية النزاعات بالتفاوض، واعتماد سياسات الحكم الرشيد، في المجالين السياسي والاقتصادي، بهدف مضاعفة قدرات بلدانهم على إبقاء المهاجرين المحتملين، وتشجيع عودة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية.

بالإضافة إلى مبادرات وطنية في مجال التنمية البشرية، تهدف إلى منح بدائل للهجرة من خلال البحث عن وسائل عيش دائمة، وبالإضافة إلى إدماج المهاجرين واللاجئين في عملية التنمية في البلدان المستقبلة لهم.

 وفي جانب الدول المستقبلة للهجرة – وبخاصة أوروبا -؛ طالبها بالعمل على الحدّ من التمييز العنصري والجنسي الذي يتعرض له المهاجرون الأفارقة، ومكافحة الإيديولوجيات العنصرية ونزعات الكراهية ضد المهاجرين، مشدداً على ضرورة عدم إقدام تلك الدول على سياسات وتدابير أحادية الجانب في مجال الهجرة، وداعياً تلك البلدان إلى الاعتراف بالأهمية الاقتصادية للهجرة الشرعية، وتحسين ظروف معيشة المهاجرين، وإيجاد تدابير لتيسير تحويل أموال المهاجرين إلى بلدان المنشأ، من خلال برامج مشتركة، وتشجيع الاستثمارات في البلدان المعروفة بكونها مصدراً للهجرة.

ودعا المؤتمر الحكومات إلى تكوين شبكة معلومات حول الأيدي العاملة، وتسهيل تبادل المهاجرين، ودعا الدول الإفريقية إلى إنشاء سوق مشتركة في إطار التجمعات الاقتصادية الإقليمية، كما قرر إنشاء منتدى برلماني حول الهجرة والتنمية داخل الاتحاد الإفريقي، يجتمع مرة كلّ عامين(13 ).

وبالجملة؛ فإن سياسات مكافحة الهجرة التي انتهجتها أوروبا ركزت في استخدام الذراع الأمنية الغليظة، بإقرار سياسات منع المهاجرين السرّيين بالقوة من التسلل لأوروبا، وإقامة مراكز اعتقال، والترحيل القسري، وتشديد مراقبة الحدود.

مخاطر الهجرة غير الشرعية:

بازدياد حدة التضييق الغربي على الهجرة، وإصرار المهاجرين على المغامرة والعبور بالرغم من كل الإجراءات الأمنية المتخذة، ازداد حجم المخاطر التي يواجهها المهاجرون السرّيون، وأبرزها:

1 - الموت: سواء كان غرقاً في قاع البحر، أو عطشاً وجوعاً بعد الضياع في عرض البحر بسبب الزوارق البدائية التي يستخدمونها، أو برصاص حرس الحدود، كما في حالة الأفارقة المتسللين إلى إسرائيل عبر الحدود المصرية.

في عام 2000م انتُشلت في الجانب الإسباني 72 جثة, فيما تحدّث الناجون عن 271 حالة وفاة, وغالباً ما تسجّل الصحافة المغربية هذا النوع من المآسي على الشواطئ الشمالية، ففي 26 شتنبر (سبتمبر) عام 1998م وقع أسوأ حادث غرق في المضيق قضى فيه 38 شخصاً، وبحسب مؤسسة AFVIC (جمعية أصدقاء وعائلات ضحايا الهجرة غير الشرعية) تم العثور على 3286 جثة عند شواطئ المضيق, وذلك ما بين العام 1997 و 15 نونبر (نوفمبر) عام 2001م، وإذا سلّمنا بأن نسبة الجثث المنتشلة بالنسبة إلى المختفين هي واحد على ثلاثة، فهذا يعني أن هناك أكثر من 10000 مهاجر قضوا في المضيق خلال خمس سنوات, وإذا كان الشباب هم الأكثر إقبالاً على الهجرة غير الشرعية، وإذا علمنا أن 80% من المهاجرين مغاربة؛ فإن أغلب تلك الجثث تكون لشباب مغاربة(14 ).

2 - السقوط في يد شبكات الاتجار بالبشر: نتيجة للسياسات الأوروبية المتشدّدة تجاه الهجرة؛ نشطت شبكات الاتجار بالبشر، وذلك باستغلال حوجة المهاجرين للوصول إلى أرض الأحلام، لكن يجد المهاجرون أنفسهم قد تحولوا إلى عبيد، مجبرين على ممارسة أعمال السخرة، أو الدعارة، أو الجريمة المنظّمة, وتستدرج تلك الشبكات الراغبين في الهجرة بالاعتماد على فريق يتألف من المستقطبين وموفري الإيواء والناقلين، الذين يتوفرون في الغالب على ورشات سرّية لبناء القوارب, وتُقدّر منظمة العمل الدولية أعداد ضحايا الاتجار بالبشر لأغراض العمل بالسخرة، أو الإجبار على العمل, بحوالي اثني عشر مليوناً وثلاثمائة ألف نسمة!

فيما يشير تقرير عن الاتجار بالبشر صادر بتاريخ 14 يونيو (حزيران) 2004م عن مكتب مراقبة ومكافحة الاتجار بالبشر التابع للخارجية الأمريكية إلى أنه في كلّ عام يتم الاتجار بنحو 600.000 – 800.000 رجل وامرأة وطفل عبر الحدود الدولية.

الآثار الاجتماعية للهجرة غير الشرعية:

 بطبيعة الحال؛ فإن نشاطاً بشرياً يتصادم مع سياسات دول قائمة، ويعبر حدوداً بشكل غير طبيعي، ولا منظم، لا بد أن تكون له آثار كبيرة في مختلف الجوانب؛ اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً.

فانتشار الجريمة المنظمة في دول المهجر، بسبب استغلال هؤلاء الوافدين الضعاف المحتاجين من قِبل مافيا الاتجار بالبشر، يمثّل واحداً من الآثار السلبية التي يمكن أن تعانيها دول المهجر, كما يعانيها المهاجر نفسه، حيث يجد أنه قد قطع هذه الرحلة الطويلة من المعاناة والآلام والعذاب، ليجد أن فردوسه المنشود قد تحول إلى مصيدة فئران، لا يستطيع منها فكاكاً, وينقلب الأمر إلى إحباط، ثم فقدان أمل، فيتفجر عنفاً وجريمة.

قد يكون الجانب الاقتصادي هو أقل ما يمكن أن تعانيه دول الغرب من أرتال المهاجرين, ولكن الهاجس الأمني هو الأساس الذي يدفع تلك الدول لخوض كل تلك الحروب العنيفة والثقيلة والمكلفة.

ومن الآثار الاجتماعية ذات البعد العقائدي والثقافي؛ استعداد بعض المهاجرين من أجل البقاء للتنازل بتبديل دينهم وأخلاقهم, فقد ذكر تقرير نشرته وكالة صحراء ميديا الموريتانية أن مئات الشباب الموريتانيين في دول المهجر يدَّعون اعتناق المسيحية والنزوع للشذوذ الجنسي للإقامة في الغرب!

أما في جانب دول المصدر؛ فلا شك أن هجرة أبنائها ينعكس عليها ضعفاً في الخبرات والكفاءات والأيدي العاملة, ولكن المشكلة الأساسية هي الجانب الاجتماعي المتمثل في أُسَر تفقد عائلها، أو أُسَر تتشرد بالكامل في المهجر، والمعبر, وأطفال يولدون في الانتظار, ومن أعجب ما يُذكر في هذا الجانب أن بعض المهاجرات الإفريقيات اللائي وصلن إلى سبتة بالمغرب، طمعاً في العبور منها إلى جبل طارق ثم الأراضي الإسبانية، كنّ حوامل، وقد وقّتن لأنفسهنّ أن يضعن أبناءهن عند وصولهنّ إلى إسبانيا، ليحصل المواليد على الجنسية الإسبانية, ولكن سياسات منع الهجرة حالت بينهن وبين بلوغ مبتغاهنّ، فوضعن أولادهنّ في الانتظار، لتبدأ قصة معاناة أخرى لأمٍّ تحمل ابنها في رحلة الفرار بعد الفرار.

مجتمعات نشأت في الانتظار:

ولكن الحالة الاجتماعية المرتبطة بالهجرة غير الشرعية؛ تبدو بجلاء ووضوح في دول المعبر التي هي في الغالب دول الشمال الإفريقي، ابتداءً من مصر شرقاً, وحتى المغرب وموريتانيا غرباً, حيث نشأت مجتمعات كاملة، في انتظار الهجرة والعبور إلى الشاطئ الشمالي للمتوسط، أو إلى الحدود الإسرائيلية, وفي الجزائر والمغرب؛ أصبح مصطلح «الحرافة» عَلَماً على هذا النوع من المجتمعات التي كوّنها المهاجرون المنتظرون.

وفي مدينة «نواذيبو», المدينة الساحلية التي تُعَد العاصمة الاقتصادية لموريتانيا، يوجد حي «أكرا» الذي أخذ اسمه من العاصمة الغانية أكرا، نسبة إلى أن أكثر ساكنيه هم من المهاجرين الغانيين, وقد أصبح وكراً للجريمة، ومقراً لشبكات الدعارة وتجارة الهوى.

وأكثر سكان أكرا نساء، أما الرجال فقليلون جداً, إذ يستهويهم المقام، فيبقون ليعملوا في الصيد، أو يجوبوا شوارع الأحياء بحثاً عن عمل مؤقت! ولكن الأكثرية منهم يفضّلون مواصلة طريق «الهجرة غير الشرعية» إلى أوروبا على ظهور القوارب الصغيرة، حيث يواجهون المصير الذي يواجهه آلاف المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، فإما أن يبلغوا مبتغاهم فيجربون حظهم في مراكز الإيواء الأوروبية، حيث يتم ترحيل كثير منهم إلى بلدانهم مرة أخرى، وإما أن ينتهي بهم الأمر إلى قاع المحيط طعاماً للحيتان وأسماك القرش.

أما النساء؛ فغالباً ما يفضّلن البقاء في أكرا، حيث تعمل أكثرهنّ في الخدمة المنزلية بالنهار، وفي الليل تتحول كثيرات منهنّ إلى بائعات لخدمات الهوى الرخيص، حيث يقعن - بسبب الفقر وفقدان العائل - فريسة لشبكات الدعارة( 15).

أما في مدينة «أدرار» الجزائرية؛ فإن المهاجرين الأفارقة اختلطوا بالسكان المحليين بدرجة يصعب معها التمييز بين السكان الأصليين والمهاجرين, جلّهم يمتهنون حرفة الإسكافي, وبعضهم الآخر يشتغلون في مهنة الفلاحة في الواحات والمستصلحات الفلاحية بالقصور والمناطق النائية، والبقية تتسكع في الشوارع بحثاً عن العمل أو التسوّل أو السرقة وقطع الطريق.

مهاجرون أفارقة يغامرون باتجاه إسرائيل:

الهجرة إلى إسرائيل تسللاً عبر الحدود المصرية اتجاه جديد من اتجاهات الهجرة غير الشرعية، أخذ مكانه في النصف الأول من العقد الأول من الألفية الثالثة, وأخذ مكانه كظاهرة اجتماعية عقب اندلاع أزمة دارفور السودانية في عام 2003م.

ويشكّل السودانيون من دارفور وجنوب السودان، بالإضافة إلى الإريتريين والإثيوبيين والصوماليين القطاع الأكبر من المتسللين إلى إسرائيل، وهم يمثّلون أكثر من 98% من أعداد المتسللين, بالإضافة إلى أفارقة آخرين من غانا وغينيا ونيجيريا ومالي وجيبوتي وساحل العاج وأوغندا وتشاد.

وتمارس إسرائيل دعاية تحث المغامرين الأفارقة للهجرة إليها؛ لأنها تجد فيهم فرصة لا تعوّض وعمالة رخيصة، حيث يعملون بأجور متدنية مقارنة باليهود والجنسيات الأخرى.

صحيح أن كثيراً من أولئك المهاجرين غير الشرعيين؛ ينتفي عنهم ذلك الوصف بعد وصولهم إلى إسرائيل وتوفيق أوضاعهم، خصوصاً أولئك القادمين من دارفور، إلا أن وصف «مهاجر غير شرعي» يلازمهم في رحلة الهجرة التي يتسللون فيها عبر عدة بلدان عابرين لحدودها، وربما طال بهم المقام بشكل سرّي في تلك البلدان، مثل السودان ومصر.

المرحلة الأصعب التي يواجهها المهاجرون الأفارقة إلى إسرائيل هي مرحلة عبور الحدود المصرية إلى إسرائيل، حيث غالباً ما يواجهون الموت برصاص حرس الحدود.

وفي هذا الصدد؛ تمارس إسرائيل انتقائية وتمييزاً مشيناً تجاه المهاجرين غير الشرعيين، فقوات الحدود الإسرائيلية تسمح لمن تنتقيه وتختاره منهم بالدخول، ومن لا ترغب فيها تسلّمه للأمن المصري عبر إطلاق الأعيرة النارية في الهواء.

أطماع إسرائيل ومكاسبها من استقبال السودانيين:

وتبدي السلطات الإسرائيلية تعاطفاً كبيراً نحو المهاجرين السودانيين، خصوصاً أولئك القادمين من إقليم دارفور، إلى درجة أن إسرائيل عمدت إلى تعديل قوانين الهجرة، لتسمح لها باستقبال السودانيين، الذين تصنفهم قوانينها – قبل التعديل – في خانة رعايا «دولة عدوة»!

ويرى كثير من المحللين السياسيين أن التعاطف الإسرائيلي مع المهاجريين السودانيين، بل الدارفوريين على وجه الخصوص، هو أمر مرتبط برؤى استخباراتية، وأطماع استراتيجية, تسعى عبرها «دولة الكيان» لبناء وجود لها في مستقبل دارفور.

وقد أوجدت مافيا الاتجار بالبشر لها ميداناً واسعاً عبر رقعة تمتد من إريتريا والسودان ومصر، وصولاً إلى إسرائيل, وتستخدم في ذلك بعض العناصر من القبائل الموجودة في مناطق من شرق السودان، ومن البدو في صحراء مصر، لخبرتهم الطويلة في التهريب، وعلمهم بمسالك الصحراء.

خاتمة:

إن ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تحوّلت إلى مشكلة دولية، وحرب مفتوحة بين المهاجرين المغامرين ومافيا التهريب من جهة، وبين أوروبا وحلفائها من الدول الإفريقية التي يقدم منها المهاجرون، أو يمرون عبر أراضيها، أصبح من الواضح أنها أكبر حجماً من أن تواجهها ترسانة أمنية، أو حتى حزمة قوانين واتفاقيات، فالمافيا التي تعمل في الخفاء لها دائماً القدرة على اختراق النُّظُم والدوائر الرسمية.

إن الأمر يحتاج إلى نوع من التعامل الإيجابي، الذي يتناول جذور المشكلة، ويسعى إلى إنهاء أسبابها.

وتظل فجوة التنمية التي تحرص الدول الغنية على وجودها بينها وبين الدول الفقيرة، لخدمة مصالح اقتصادية وسياسية لها، من أهم الأسباب التي تدفع بأرتال المهاجرين المغامرين نحو الدول الغربية، للتمتع بخيراتها التي جلبها الغرب في الأصل من أرضهم.

وتظل الصراعات والنزاعات والحروب من أهم أسباب الهجرة، وهي صراعات وحروب تمارس الاستخبارات الغربية دوراً كبيراً في تأجيجها في إفريقيا؛ من أجل بسط النفوذ السياسي، أو إيجاد سوق للسلاح، وأحياناً بسبب نظريات اقتصادية متطرفة ومتخلفة، ترى في التنامي الديموغرافي في إفريقيا والعالم الثالث مهدداً من مهددات توازن الموارد في الأرض, ومن ثم يجب الحدّ من هذا التنامي وفقاً لمعادلة أخرى، تحققها الحروب والأمراض والكوارث.

إنها قضية ذات ارتباطات متعددة، أخلاقية في المقام الأول، ثم تنموية، واستراتيجية, وتتطلب تعديلاً في النموذج الأخلاقي الذي يسود العالم في ظل هيمنة الرؤية الغربية الرأسمالية المتوحشة.

الهوامش والمراجع:

(1 ) انظر:

Dictionary.com Unabridged.April/2011.http://dictionary.reference.com/browse/illegal% 20alien.

( 2) القانون الجزائري - الأمر رقم 66\211 - المؤرخ في 21 جويلية (يوليو) / 1966م.

( 3) جمال الشحي: مدن نسكنها ومدن تسكننا، مقال منشور بموقع صحيفة البيان, بتاريخ 19 يونيو / 2010م - http://www.albayan.ae/opinions/1265978204282-2010-06-19-1.256668

( 4) إسماعيل آدم: الهجرة من إفريقيا إلى إفريقيا, صحيفة الشرق الأوسط – العدد 10328 - الجمعة 9 مارس / 2007م.

( 5) المصدر السابق.

( 6) تقرير بعنوان: الأزمات التي تواجه الأطفال والنساء في شرق وجنوب إفريقيا, منشور بموقع اليونسيف: www.unicef.org/arabic/hac2011/hac_esaro.html

( 7) تقرير بموقع البنك الدولي www.albankaldawli.org على الرابط: http://web.worldbank.org/WBSITE/EXTERNAL/COUNTRIES/AFRICAEXT/ZAMBIAEXTN/0,,contentMDK:22387927~menuPK:375673~pagePK:2865066~piPK:2865079~theSitePK:375589,00.html

( 8) موقع دويتشة فيله (صوت ألمانيا) – Deutsche Welle - 

http://www.dw-world.de/dw/9799/0,,613,00.html

(9 ) د. هالة جمال ثابت (مصدر سابق).

( 10) النزاعات في إفريقيا, تقرير منشور بموقع وكالة الأنباء الكويتية (كونا).

(11 ) ملفات المعرفة – موقع: www.aljazeera.net .

( 12) مكافحة الهجرة غير الشرعية بين المقاربة الأمنية والمقاربة التنموية, مقال منشور بمجلة التجديد, بتاريخ 5/11/2003م. 

( 13) الإعلان النهائي للمؤتمر البرلماني الإفريقي حول «إفريقيا والهجرة: التحديات، المشكلات والحلول», الرباط، المغرب، من 22 إلى 24 مايو / 2008م.

(14 ) محمد منار: الشباب المغربي وشيخوخة الهمم والعزائم, مقال منشور بموقع جماعة العدل والإحسان www.aljamaa.net/ar/document/2460.shtml

(15 ) أكرا مدينة الهوى الغانية تزعج سكان نواذيبو الموريتانية, مقال منشور بموقع منارات إفريقية http://www.islam4africa.net/index.php/manarate/index/10/578

 


شارك بتعليق
مقالات مختارة
المزيد





إستطلاع
هل من الممكن أن يكون سد النهضة سببا لحرب قادمة في إفريقا بين إثيوبيا ودول المصب(مصر والسودان)؟
نعم
نعم
لا
لا
لا أدري
لا أدري

المزيد

 الأكثر قراءة
  1. أقاليم إفريقية
  2. الملف الإفريقى
  3. أخبار إفريقيا
  4. حديث الساعة
  5. داخل العدد
  6. تقارير وتحليلات
  7. آفاق إفريقية
  8. بحوث ودراسات
  9. تقارير مترجمة
  10. صحافة إفريقية
  11. حوارات وتحقيقات
  12. مقالات مختارة
  13. كتاب الموقع
  14. فعاليات إفريقية
 

المشرف العــام

خالد بن صقير الصقير

 

مدير التحرير

بسام المسلماني

تصميم وتطوير

جميع حقوق النشر محفوظة للمجلة
جميع التعليقات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي كاتبها