أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

غامبيا.. ومسار الإصلاحات الديمقراطية

  • 2018-07-19 09:08:42

جوزيف سيغل، مدير الأبحاث بمركز الدراسات الاستراتيجية لإفريقيا  

دورينا بيكواي، أستاذة مشاركة، متخصصة في الدراسات الاستباقية واحتواء وحل الأزمات(*)

ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو

 

منذ تولّي آدم بارو مقاليد السلطة، بعد 22 عامًا من الحكم الاستبدادي، حظيت الإصلاحات الديمقراطية في غامبيا بمزيد من الإرادة السياسية والدعم الداخلي والاعتمادات الخارجية؛ لكنَّ الخلفيات الحزينة التي تركها النظام السابق تُشَكِّل المخاطر على العملية.

 أدَّى آدم بارو اليمين بوصفه رئيسًا لغامبيا في يناير 2017م إثر فوزه في الانتخابات الرئاسية وبعد التغلُّب على الخطر المحتمل حال المواجهة العسكرية للإطاحة بيحيى جامع الذي قضى فترة طويلة في الحكم، وقاوم للبقاء في السلطة.

وبعد 22 عامًا من الحكم الاستبدادي، أبدى الغامبيون ارتياحًا كبيرًا بعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وعودة المنفيين، وانفتاح البلاد للمجتمع الدولي مجددًا؛ تبنَّت غامبيا عملية صعبة لاعتماد ما يلزم من الإصلاحات لاستعادة النظام الديمقراطي إلى البلاد. وبذلك فإنَّ البلاد سوف تنضم إلى الاتجاهات الديمقراطية للدول الأعضاء بتجمُّع "إيكواس" باستثناء دولة واحدة.

وهذا الملخص يبحث حول ما تم تحقيقه من التقدم في الوقت الراهن، وعن الأولويات والتحديات عطفًا على العقبات المحتملة على سبيل التقدم.

إحراز التقدم

 لقد أُدرِجت أُسُس برنامج PDN (الإصلاحات في الخطة الوطنية للتنمية 2018-2021م) والتي خلُصت إليها المشاورات المكثَّفة بين أعضاء الحكومة المحلية، ومؤسسات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ثم اعتمدها آدم بارو في يناير 2018م، وتهدف الخطة إلى استعادة سيادة القانون، وتعزيز الديمقراطية، وتشجيع العدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني.

إنها خطة طموحة بالامتياز؛ إذا ما أخذنا في الاعتبار حالة مؤسسات غامبيا بعد عقدين من استبدادية النظام، غير أن إدارة آدم بارو لم تضيِّع وقتًا في الشروع في إنشاء العملية. وفي مارس 2017م، وبناءً على طلب الحكومة، قامت كل من UA (الاتحاد الإفريقي) وUE (الاتحاد الأوروبي) وPNUD  (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) بتقييم مشترك عن المؤسسات الحكومية بما في ذلك المؤسسات القضائية والأجهزة الأمنية؛ وذلك لتحديد الحالة الراهنة ولاحتياجات العاجلة. وقد ساهمت نتائج التقييم في إدخال العديد من الإصلاحات في مجال العدالة الانتقالية، وفي القطاع الأمني.

 والإصلاحات القضائية بدأت بتعيين قضاة غامبيين لاستبدال القضاة الأجانب المُعيَّنين من يحيى جامع رئيس النظام السابق، والذي استخدم –لفترة طويلة- المحاكم كأداة لتعزيز نظامه، ويُعيّن ويقيل القضاة الأجانب على مزاجه.

أسس برنامج الإصلاحات في غامبيا:

 1- استعادة سيادة القانون.

2- تعزيز الديمقراطية.

3- إحلال العدالة في المرحلة الانتقالية.

4- إدخال إصلاحات في الجهاز الأمني.

وقد أعقبت ذلك عملية التمحيص وتدريب الموظفين في القضاء، وتوظيف موظفين جدد، والتي اعتمدها PNUD (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي).

وفي يونيو من العام 2017م بدأت الحكومة في تنقيح القوانين المقيّدة للحريات السياسية والمدنية لإلغائها، وصدرت توجيهات لتعزيز صلاحيات مكتب الوسيط الذي أُنشئ في العام 1997م، وهو المخوَّل بالتحقيق في أيّ إساءة استعمال السلطة، ويتعين له أن يؤدي دورًا مهمًّا في جهود الإصلاحات الحالية.

ومن جانبها اعتمدت الجمعية الوطنية قوانين جديدة، وإنشاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وCVRR (لجنة المصالحة وتعويض المتضررين) التي بدأت، في يناير 2018م، بتسجيل الإدلاء بشهادة الضحايا؛ وذلك لشجب انتهاكات حقوق الإنسان المرتَكَبَة في ظل نظام يحيى جامع.

على أنَّ هذه العملية جارية في تزامن مع أعمال لجنة التحقيقات القضائية التي تَعْقِد جلسات استماع عامة حول سوء إدارة الأموال العامة من النظام السابق، كما تعمل رابطة المنظمات المكوّنة من أكثر من 80 منظمة من مؤسسات المجتمع المدني في تعزيز السلام والوئام، ودعم التحقيقات القضائية، وعملية المصالحة الوطنية. ويوحي ذلك إلى قطيعة مع الماضي؛ حيث لم تكن المنظمات المدنية تتمتع بحق المشاركة في أنشطة من هذا النوع.

وفي مايو 2017م، اجتمع أعضاء من الحكومة المحلية، ومن المجتمع المدني والمجتمع الدولي لوضع مخطَّط للإصلاحات الدستورية؛ عملية كان وعَد بها الرئيس آدم بارو في الحملة الانتخابية، كما أيَّدت الحكومة الرأي العام الذي رغب في أن تنبني المباحثات على أساس مشاركة واسعة بدلاً من التركيز على نهج تنقيح مجزّأ من طرف السياسيين.

وفي ديسمبر، تم تشكيل لجنة للتنقيح الدستوري، وستنظم مشاورات على المستوى الوطني عبر استفتاء دستوري في 2019م، وفي إطار هذه المجهودات يسعى اتحاد الصحافة الغامبية إلى إعداد برنامج للتوعية بشأن المشاكل الدستورية، وكذلك نشر المشاورات.

وقد وعدت الحكومة بإعادة تحديد فترة ولاية الرئيس التي ألغاها يحيى جامع في عام 2015م، والواقع هو أن إدراج تحديد عدد المأموريات ورد جليًّا في توجيهات قانون لجنة التعديل الدستوري.

على أن برنامج إدخال الإصلاحات في القطاع الأمني -الركيزة الأساسية للحزب الحاكم السابق- بدأ من سبتمبر 2017م، والهدف منه إيجاد قطاع أمن أكثر فاعلية ومهنية يحظى باحترام الجميع. وقد وصف أبو بكر تامبادو، وزير العدل، نَهْج الحكومة في هذا الخصوص بالقول: "إذا كان النظام القضائي والقانوني العقل المدبر للنظام القديم؛ فإن الأجهزة الأمنية هي الأيدي التي تَرتكب الفظائع"؛ على حد تعبيره. 

لكنَّ البرنامج الإصلاحي المعنيّ والهادف إلى إصلاح مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية في الإطار الأوسع لاستعادة سيادة القانون وتعزيز الديمقراطية وذلك بالتعاون الوثيق مع CEEAC (الجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا في غامبيا) وECOMOG والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي عطفًا على الأمم المتحدة، وكلها أعضاء في اللجنة المُشْرِفة. وتضمنت اللجنة كلاً من وزارة العدل والخارجية والدفاع والمالية، وممثلين من المجتمع المدني، وتم تقييم دور الجيش والشرطة والمخابرات على مستوى الدستوري في ديسمبر 2017م.

وتمثلت المرحلة الثانية في دراسة مهارات ووضع معايير جديدة والمهام PDN   (الإصلاحات في الخطة الوطنية للتنمية)، والتي ستنتهي إلى اعتماد سياسة وطنية جديدة عن الأمن في 2019م، وقد بادر آدم بارو إلى التخلص سريعًا من ANR (وكالة المخابرات الوطنية) المخيفة؛ لتحل محلها خدمة مخابرات الدولة تحت إشراف البرلمان في حين تُلاحق العدالة تسعة ضباط من الأجهزة الأمنية السابقة.

العقبات التي يتعين التغلُّب عليها

يُذْكَر أن الجيش منقسم بين أنصار يحيى جامع وبين الموالين لآدم بارو، ويرى البعض أن الانقسام المعني هو مصدر الإشاعات التي تشير إلى أن قبيلة جولا -الأقلية العِرْقية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع- ضحية التمييز من الإدارة الجديدة.

وإدارة بارو الجديدة جاءت في وقت كانت المؤسسات في حالة من التحلل التي سبَّبت الكثير من العقبات على الإصلاحات؛ وهذه سمة أخرى من مميزات بعض التحولات الديمقراطية، وكثيرًا ما قد تتعرض لمحاولات محسوبي النظام القديم لعرقلة العملية لهدف استعادة مناصبهم المفقودة. وهذا هو السبب الرئيس للتراجع المؤقت نحو الديكتاتورية المطلقة، عادةً ما تكون في السنوات الخمس الأولى، التي نراها في أكثر من نصف عمليات الانتقال إلى الديمقراطية.

وقد اشتبك أنصار النظام السابق في معقله في بلدة كانيلاي في جنوب البلاد في يونيو 2017م مع قوات فريق الرصد التابع لقوات الجماعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (ECOMOG) أسفر عن إصابة ستة أشخاص بإصابات بالغة؛ مما عزَّز المخاوف عن احتمال انضمام قبيلة جولا في غامبيا إلى جولا الانفصاليين في منطقة كازامانس المجاورة في السنغال؛ الشيء الذي قد يُشَكِّل تهديدًا خطيرًا على أمن الحكومة الجديدة. وفي شهر يوليو 2017م تم توقيف أربعة ضباط مقربين من الرئيس السابق بتهمة عصيان الأوامر، وفي أكتوبر تم طرد 7 من كبار الضباط لسوء السلوك، وأُحيل 12 ضابطًا إلى المحكمة العسكرية بتهمة المحاولة للإطاحة بالحكومة.

غير أن إصلاح المؤسسات، وغرس معايير جديدة، وتعزيز استقلاليتها مهمة طويلة الأجل، ويزداد التحدي تعقيدًا فيما يخص المؤسسات القضائية التي تواجه ضغوطات شعبية رغم أنها تطالب باستكمال ولايتها.

وإن سرعة تكوين لجنة تقصّي الحقائق والمصالحة يُعتبر مثالاً جيدًا، غير أن التجربة السائدة في إفريقيا عمومًا توحي بأن لجان تحرّي الحقائق والمصالحة مؤسّسة حساسة، ويتعين أن تكون متجذرة في السياق المحلي "إنها تستخدم الكثير من الموارد وقابلة للتفجير سياسيًّا"؛ حسب تحذير آنا روكاتيلو من المركز الدولي للعدالة الانتقالية.

وفي حال اعتبار اللجنة كأداة عقاب أو إقصاء سيؤدي إلى تعرُّض مسئوليتها والمصالحة الوطنية للخطر؛ حيث إن لجنة تحري الحقيقة والمصالحة الوطنية مؤسّسة حساسة، ويتعين أن تكون متجذرة في السياق المحلي.

التطلعات

رغم استفادة استمرار الإصلاحات في غامبيا من دعم سياسي واهتمام داخلي عطفًا على الدعم الإقليمي والدولي بالامتياز؛ إلا أن البلاد تظل منقسمة، كما دل على ذلك الترحيب الفاتر لممثلي النظام الجديد في معقل النظام السابق، ويتعين إيجاد حوار سياسي حقيقي ومصالحة وطنية لإزالة هذه المشاعر.

وعلى الرغم من الركود الاقتصادي في البلاد، وارتفاع معدل البطالة بين الشباب الموروث عن نظام يحيى جامع السابق قد يقوِّض ثقة العامة في الحكومة الجديدة؛ إلا أنه بإمكان برامج الإنعاش -الذي يتوقع منه خلق فرص الوظائف- أن يحفظ للحكومة، على المدى القصير، ثقة العامة ودينامية الإصلاحات قبل استعادة الاقتصاد قواها في المدى البعيد. 

بالاختصار، على الرغم من التقدم الملحوظ في التحول الديمقراطي في غامبيا؛ فإنها لا تزال هشة لاستمرار الانقسامات بين الموالين المؤديين لنظام يحيى جامع السابق، وبين مؤيدي النظام الجديد، وذلك يجعل الاستقرار عُرضةً للخطر.

لكنَّ عملية التنقيح الدستوري، وإعادة تحديد فترات الرئاسة تعطي حكومة آدم بارو الفرصة لكسب ثقة الجمهور، وتثبت تمسكه بإجراء إصلاحات دستورية حقيقية، وقد لعب الشركاء الخارجيين على غرار CEDEAO (المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا) دورًا محوريًّا في غامبيا، ويتعين لها أن تظل ملتزمة به؛ فالالتزام الصارم من القوى الوطنية والدولية بأدوارها ضروري وكفيل بترسيخ جذور الإصلاحات الواردة في خطة التنمية الوطنية ودعمها.

(*) يمكن الاطلاع على رابط المقال الأصلي من هنا

 

مواضيع متعلقة

كتاب الموقع