أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

عبد الرحمن إبراهيم ابن سوري .. "أمير بين العبيد"

إن قصة عبد الرحمن إبراهيم بن سوري, الأمير والمثقف الأفريقي الذي اعتقل وبيع في سوق النخاسة، وغيره يعطي منهاجا أساسيا لفهم حقيقة تجارة الرقيق الأوروبية ونظرة أصحابها إلى الأفريقيين المأسورين. فالمعادلة – وفق هذه القصة وغيرها – بالنسبة لتجار الرقيق وبائعي العبيد أنّ: كل الأفارقة السود متساوون – ولكن بدون أي قيمة أو حقوق إنسانية.

نشرت مجلة FPM الإلكترونية مقال حول عبد الرحمن ابن سوري, حيث كان موقف كاتبه من عبد الرحمن غريبا نوعا ما, إذ يرى أنّه – أي عبد الرحمن – "عنصريّ" و "قاتل جماعي مسلم", بحجة أنه قاد جيوشا لمحاربة قبائل أفريقية قبل اعتقاله, وأن هناك رسائل نسب إليه تفيد أنه يقول بأن "لا قطرة دم زنجي تجري في عروقه", وكان الزنوج في وجهة نظره "لا يرتقون إلا تحت الموريين". والكاتب بكل ذلك يريد – متعمدا أو غير متعمد - تبرير تجارة الرقيق الأوروبية في أفريقيا, ودحض الادعاءات والكتابات التي ترى أن عبد الرحمن مثلٌ يستحق للأفارقة الأمريكيين أن يحتذوا ويقتدوا به, وأن قصته كبطل للأمريكيين السود هي محاولة لدمج الإسلام في التأريخ الأميركي.

في نظر دانيال غرينفيلد كاتب المقال, ليس عبد الرحمن إلا بطلا مصطنعا. غير أن موقفه هذا دفعني للبحث عن شخصية كاتب المقال ،  فوجدته "عنصريّا" و "معاديا للإسلام" : فهو صحفي يكرّس غالبية مقالاته لانتقاد الأمريكيين السود والمسلمين.

إن ما يجهله غرينفيلد, أن هناك مسلمين جاءوا إلى أمريكا قبل حوالي 500 سنة, وصلوا وهم في سلاسل. بل يرى عدد من الكتاب الغربيين أن من حوالي 12.5 مليون أفريقي اختطفوا من بلدانهم في أفريقيا وأُسيقوا إلى ما يعرف اليوم بأمريكا ما بين عام 1525-1866، فإن أكثر من 20 ٪ منهم مسلمون. بل لو تُرِكوا بعد وصولهم أمريكا لأداء دينهم دون قمع من قبل أسيادهم بائعي الرقيق, فسيكون للإسلام وجود أكبر بكثير في الثقافة الأمركية مما كان عليه اليوم.

كان معظم ما هو معروف حاليا عن عبد الرحمن يأتي من كتيّب بعنوان "بيان فيما يتعلق بالأمير الموري، عبد الرحمن"، من تأليف توماس غالو ديت، وكتاب آخر مفصّل بعنوان "أمير بين العبيد"، وهو من تأليف البروفيسور تيري الفورد, وقد أُخرج من هذا الكتاب الأخير فيلما شهيرا بالعنوان نفسه.

 

عبد الرحمن إبراهيم بن سوري: المولد والنشأة

ولد عبد الرحمن إبراهيم (أو إبراهيمَا بنطق أفريقي) بن سوري في عام 1762 في عائلة ملكية فلانية. فهو ابن الملك سوري/صوري، في قرية تيمبو Timbo فيما يعرف اليوم باسم جمهورية غينيا, وذلك في منطقة فوتا جالون.

وبحسب ما ذكره البروفيسور تيري الفورد، كانت القبيلة غير المسلمة هي المجموعة القبلية الأغلبية داخل المنطقة التي ولد فيها عبد الرحمن. وحدث صراع داخل المجتمع بين المسلمين وغيرهم عندما أعلن قائد القبيلة غير المسلمة عن النهي عن الصلاة في الأماكن العامة. فأعلن "كراموكو" مفتي أو عالم المسلمين الجهاد ضد غير المسلمين, وأدى إلى حرب فلانية تأريخية هائلة في المنطقة.

ويذكر توماس غالو ديت أنه خلال طفولة عبد الرحمن في أفريقيا، أُرسِل والدُه لغزو شعب سوسو, وأَسَّس عاصمة جديدة لمملكة فوتا جالون في "تيمبو" . وانتقل عبد الرحمن من مدينة تمبكتو إلى تيمبو في سن الخامسة، ثم عاد إلى تمبكتو للدراسة في سن الثانية عشرة.

 

 

من فوتا جالون إلى العبودية

خلال عام 1788 وفي سن السادسة والعشرين، كان عبد الرحمن قائدا عسكريا في الجيش الفولاني, ومتزوجا رُزق بطفل. بعد عودته من المعركة يوما, قبض عليه هو ومجموعة من الجنود، وتم بيعهم لتجار العبيد مقابل البنادق ومشروب الوِيسْكي وثمانية لفّات من التبغ. وبعد ثمانية أشهر رهيبة، نقل عبد الرحمن إلى الولايات المتحدة حيث اشتراه نخاس في ميسيسيبي, يدعى توماس فوستر.

حاول عبد الرحمن أن يشرح لسيده الجديد حقيقته وأنه أميرٌ من عائلة ملكية أفريقية, الأمر الذي أضحك فوستر وسماه بدون رَويّة بـ"الأمير".. ومن هنا جاء لقب "أمير بين العبيد". وهو الاسم الذي يدعى به من قبل سكان ناتشيز في ميسيسيبي.

أدت خبرة عبد الرحمن في الزراعة و مهاراته القيادية إلى أن يكون شخصية محورية في مزرعة القطن المملوكة لفوستر. وخلال عام 1794، تزوج عبد الرحمن بـ"إيزابيلا"، وهي امرأة مستعبدة أيضا في مزرعة فوستر, ونتيجة لذلك الزواج, كان لهما خمسة أبناء وأربع بنات.

في إحدى محاولات إنقاذه الفاشلة من العبودية, رآه طبيب إيرلندي يدعى جون كوكس، وقد سبق أن التقى به في أفريقيا عندما سافر الطبيب إلى تيمبو لإدارة مشاريعه مع سفينة إنجليزية. حيث ساعدت عائلة عبد الرحمن حينها الطبيب كوكس لمدة ستة أشهر عندما تقطعت بهم السبل وأصيب بمرض في منطقة فوتا جالون.

هكذا بدأ الطبيب كوكس التفكير في ردّ الجميل, مُحاوِلا إنقاذ عبد الرحمن, وطالبا من فوستر أن يبيعه إياه كي يتمكن من منحه حريته ليعود إلى وطنه في غرب أفريقيا. غير أن فوستر رفض الطلب, لكن كوكس واصلت المحاولة نيابة عن عبد الرحمن حتى وفاته في عام 1816.

والسؤال هنا هو: لماذا رفض فوستر بيع عبد الرحمن للطبيب كوكس, مع أن بإمكانه الزيادة في السعر كيفما يشاء؟

الإجابة بكل بساطة: لأن فوستر صار من أغنى أغنياء ميسيسيبي بسبب الأرباح الهائلة من مزرعته للقطن, وكل ذلك بفضل "عبده" عبد الرحمن إبراهيم ابن سوري, الخبير في العمليات الزراعية, وصاحب المهارات القيادية لإدارة المزرعة وتوجيه العبيد الباقين. فسيعني بيع السيد هذا العبد النفيس بمثابة الخسارة والكساد.

وبالإضافة إلى ذلك, بعد كشف وتأكيد الطبيب الأمريكي أن عبد الرحمن كان أميرا في أفريقيا بالفعل، أبدى فوستر سروره أنه بالفعل يملك بين يديه شخصية ملكية أفريقية، ومن ثمّ رفض بيعها بأي ثمن.

فعند عبد الرحمن، الاستسلام لا يعني الذل؛ فهو لا يزال أميرا حتى في العبودية، ولذلك ينشر بين الذين حوله الكرامة والتأثير، مربّيا أسرته ومثيرا إعجاب المحيطين به بفطانته ومعرفته.

 

الإفراج من العبودية والعودة إلى غرب إفريقيا

في عام 1826، أخذ المراسل المحلي أندرو مارسشالك, الرسالةَ - التي كتبها عبد الرحمن باللغة العربية والتي يوجهها إلى عائلته في غرب أفريقيا،  وأرسل نسخة منها إلى العاصمة الفدرالية في واشنطن العاصمة. جذبت الرسالة انتباه عضو مجلس الشيوخ الأمريكي توماس ريد, فأحالها ريد إلى القنصلية الأمريكية في المغرب، ظانًّا منه أن عبد الرحمن مغربيّ الجنسية.

وعلى الرغم من أن عبد الرحمن لم يكن مواطنا مغربيّا، إلا أن سلطان المغرب "أبو الفضل عبد الرحمن بن هشام" تأثّر بقصته والتمس من الرئيس الأمريكي جون كوينسي آدامز إطلاق سراحه من الرقة.

وفي عام 1828، تدخل هنري كلاي، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، في قضية الإفراج نيابة عن الأمير عبد الرحمن. لكن سيده فوستر يشترط أنه لن يمنح عبد الرحمن الإفراج القانوني من العبودية إلا إذا كان سيغادر أمريكا إلى أفريقيا تاركا وراءه أسرته. ومع كل محاولات وجهود عبد الرحمن لجمع ما يكفي من المال لشراء حرية أطفاله التسعة قبل مغادرته متوجها إلى أفريقيا، إلا أنه لم يتمكن سوى جمع نصف المال المطلوب فقط .

في عام 1828, في سن 66 من عمره، وبعد مكوث 40 سنة في العبودية، أبحر عبد الرحمن إلى مونروفيا في ليبيريا. وبعد وصوله هناك أصيب بحمى وتوفي عن عمر يناهز الـ 67 عاما، ولم يتمكن من الوصول والعودة إلى قريته في فوتا جالون.

 بعد وفاته, لم شمل زوجته إيزابيلا مع اثنين من أبنائه وأسرهم الذين حصلوا على حريتهم وعادوا إلى أفريقيا بتمويل من اعتماد عبد الرحمن المالي. وورثت عائلة وأبناء فوستر أسرة عبد الرحمن الباقية في ولاية ميسيسيبي, إلى أن انتشر أفرادها في الجنوب وتمكنوا من العمل لصالح أنفسهم.

 وهكذا ترك عبد الرحمن إبراهيم ابن سوري جوهرة نادرة من إرث التأريخ الاستعماري للأفارقة في أمريكا.

 

المصادر والمراجع:

1- ملف بي دي اف: THE DESCENDANTS OF PRINCE ABDUL RAHMAN

 رابط التحميل:   https://www.upf.tv/wp-content/uploads/sites/196/2014/07/dreyer.pdf

2-  From African Prince to Mississippi Slave: Abdul Rahman Ibrahima:

http://docsouth.unc.edu/highlights/ibrahima.html

3- PRINCE OF LIES, By Daniel Greenfield

http://www.frontpagemag.com/fpm/98787/prince-lies-daniel-greenfield

كتاب الموقع