أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

سَدّ النهضة بين نُذُر الحرب وعبثيَّة التفاوض

يبدو أن المزاج الإثيوبي العام؛ نتيجةَ ميراثٍ طويلٍ من التاريخ المعقَّد مع مصر، والذي لا يخلو من وجود أساطير دينية؛ لا يزال يؤمن بإثيوبية النيل الأزرق. يُطلق عليه بالأمهرية "تيزي أباي"، أو الماء الذي يعلوه الدخان. وقد استطاعت حملة" # إنه سدي" #itsmydam جعل قضية سد النهضة مسألة كرامة وطنية يرتبط بها مصير الأمة الإثيوبية. والمتأمل لرسائل هذه الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي يستطيع الوقوف على بعض مكونات الموقف الشعبي الإثيوبي؛ حيث إنها ترفع شعاريين مُهِمَّيْن؛ أحدهما "عدوة"، باعتبارها رمز الاحتفال بالانتصار على العدوان الإيطالي، وثانيهما "الإثيوبيانية" التي مثلت في مرحلة معينة رمزًا لتحرُّر الشعوب السوداء في مختلف أنحاء العالم. وكلا الشعارين يُعبّران عن مفهوم الاستثنائية الإثيوبية التي كانت سمة غير خافية للخطاب الشعبوي منذ عهد ميليس زناوي.

تمكنت حملة "# إنه سدى " من تنظيم تظاهرة أمام مبني الخارجية الأمريكية في واشنطن يوم 27 فبراير 2020م شارك فيها بضع مئات من الإثيوبيين الأمريكيين للاحتجاج على ما أسموه الضغوط الأمريكية على إثيوبيا. وتكشف عملية تحليل نصوص الشعارات التي رفعها أعضاء هذه الحملة حجم المغالطات والمعلومات غير الصحيحة التي يتمّ نشْرها بشتَّى الوسائل لتكون في متناول الرأي العام. ثمة قناعة راسخة منذ حكم ميليس زناوي، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود؛ بأن مصر تحتكر مياه النيل، وأنها تستند إلى اتفاقات استعمارية.

ولعلَّ قبول مصر باتفاق المبادئ عام 2015م الذي أعطى شهادة ميلاد شرعية لسد النهضة، وقبولها بالعملية التفاوضية على أساس المصالح المشتركة للأطراف الثلاثة؛ يدحض هذه المزاعم التي يشارك فيها الإعلام الرسمي، وبعض المسؤولين في دول أعالي النيل.

غياب الدبلوماسية الشعبية:

لقد بدأت إثيوبيا من جانب واحد في بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير على نهر النيل الأزرق في أبريل 2011م. ومنذ ذلك الحين، أُجريت سلسلة من المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان على مستوى الخبراء والوزراء ورؤساء الدول، وذلك من أجل التوصل لاتفاق يُنظّم مسألة ملء وتشغيل السد، ومعالجة الآثار السلبية المحتملة على دولتي المصبّ. كان تَصَوُّر مصر الرسمي والشعبي هو أن السدّ يمثل تهديدًا لأمنها المائي في حين يبدو السودان مرتاحًا من إمكانية تعظيم فوائده من مصادر المياه والطاقة. وافق السودان ضمنيًّا على رغبة إثيوبيا في بناء السد متوقعًا فوائد جمة من وجود سدّ قريب من حدوده يُمكّنه من السيطرة على الفيضانات وتنظيم مستويات المياه طوال العام. ومع ذلك ظلت مخاوف دولتي المصب ترتبط بمعدل الملء الأول للسد وتشغيله، وامكانية انهيار السد المحتملة، بالإضافة إلى آثاره البيئية. كان هناك أربع اتفاقيات رئيسية بين إثيوبيا والسودان ومصر لمعالجة هذه المخاوف: تشكيل فريق الخبراء الدولي، توقيع رؤساء الدول على إعلان المبادئ عام 2015م، اجتماع وزراء الخارجية والري والمياه بشأن تنفيذ توصيات فريق الخبراء الدولي، والموافقة على الدراسات التي يُعدّها الاستشاريون الدوليون.

تم عقد العديد من الاجتماعات والمشاورات دون نتيجة ملموسة؛ بسبب تعقيد المشكلة، ومماطلات الجانب الإثيوبي؛ حتى أضحت المفاوضات مجرد عملية عبثية مكررة. وقد ساهم عدم الاستقرار السياسي الداخلي في مصر والسودان وإثيوبيا خلال بناء سد النهضة في تسييس عملية التفاوض، وعدم إعطاء فرصة حقيقية للحوار والدبلوماسية. واللافت للانتباه أن المتابع لتطورات قضية سدّ النهضة منذ بداية العمل في بنائه وحتى اليوم يلاحظ أن مواقف القادة السياسيين بعيدة إلى حد كبير عن استخدام أدوات الدبلوماسية الشعبية.

وبالعكس من ذلك تمامًا يلعب الإعلام دورًا سلبيًّا في توجيه الجماهير. وفي ظل عصر العولمة وثورة المعلومات والاتصالات يتعين على القادة السياسيين إخبار شعوبهم بالتطورات والتفاهمات الجديدة، ولا سيما أن حياة الملايين منهم سوف تكون على المحكّ. عندما تولَّى الرئيس السيسي السلطة أظهر معارضة واضحة لموقف حكومة الرئيس مرسي العدائية تجاه سدّ النهضة. وفي المقابل قامت إثيوبيا بإرسال وفد شعبي من الحكماء والسفراء السابقين والأكاديميين والقادة الدينيين والفنانين للمساعدة في تطبيع العلاقات بين البلدين وتجنّب أجواء الحرب. ولكنها كانت محاولات أشبه بذر الرماد في العيون.

هل احتمال حرب المياه وارد؟

المشكلة الأساسية المتعلقة بسد النهضة تتمثل في سنوات الجفاف الطويل والشديد التي من شأنها أن تخلق مخاطر على تدفقات المياه أثناء وبعد ملء سد النهضة؛ ونظرًا لأن الجفاف المطول سيحدث حتمًا في مرحلةٍ ما في المستقبل؛ يجادل كثير من خبراء المياه بأنه يتعين إدارة آثار وتبعات الجفاف بعناية، وأنه ينبغي معالجة احتمالها بشكل صريح في المفاوضات الجارية بشأن مياه النيل. وفي ظل عدم وجود اتفاقات واضحة ومحددة، هناك احتمال متزايد لانهيار الثقة، وتضخيم المخاطر المتصورة عبر وسائل الإعلام الاجتماعية والتقليدية، واعتماد مواقف الخصومة التي قد تؤدي إلى استمرار الصراعات الدبلوماسية.

لا تزال توجد مخاوف بدرجة أو بأخرى من أن دول النيل الشرقي قد ‏تنجر إلى نزاع مسلح إذا فشل المسار التفاوضي. ففي عام 2013م، أظهر بعض السياسيين المصريين الموالين لجماعة الإخوان المسلمين قبولاً لاقتراح القيام ‏بمجموعة من الأعمال العدائية ضد إثيوبيا ردًّا على استمرارها في بناء السد. كما أكد ‏الرئيس السيسي أن مصر ‏ستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية حقوقها في مياه النيل. بالمقابل أخبر رئيس ‏الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أكتوبر 2019م نواب البرلمان الإثيوبي أنه "لا توجد قوة" يمكن أن تمنع إثيوبيا ‏من بناء السد؛ مهددًا بأنهم قادرون على جمع مليون إثيوبي لخوض الحرب إن كُتِبَ عليهم القتال. كما حذَّرت ‏مجموعة الأزمات الدولية في عام 2019 من أن الدول "يمكن أن تنجرف إلى ‏النزاع" حول السد. ولا يخفى ‏أن تدخُّل الولايات المتحدة يدلّ على خطورة الوضع، والحاجة إلى كسر ‏الجمود.

لقد طلب الرئيس السيسي من ‏الرئيس ترامب التوسُّط في ‏المفاوضات، والتي كانت إثيوبيا مترددة في البداية في قبولها. إن هذا الصراع ‏بين الدولتين، وهما حليفتان ‏للولايات المتحدة، يمكن أن يستقطب الاهتمام الإقليمي والعالمي؛ حيث إنه يُعرّض حياة ملايين ‏المدنيين للخطر. كما أن من شأن ذلك ‏تهديد طريق التجارة الدولية الحيوية عبر قناة السويس وعلى طول منطقة ‏القرن الإفريقي.

ولا شك أن بيان وزارة الخارجية الإثيوبية الصادر يوم 29 فبراير 2020م الذي أكَّد على أن أثيوبيا لا توافق على ما جاء في مسودة الاتفاقية عن قواعد ملء وتشغيل السد؛ لأنها تعكس فقط رأي مصر وليس الدول الثلاثة يُعيد مسألة سدّ النهضة إلى المربع الأول. ولعلَّ ما يثير الاستغراب أن البيان الإثيوبي يشير إلى البدء في التخزين المبدئي للسدّ على ضوء مبدئي الاستخدام المنصف للمياه وعدم الإضرار الجسيم بدولتي المصب اتساقًا مع ما جاء في إعلان المبادئ لعام 2015م. ولا شك أن الانسحاب الإثيوبي من مفاوضات واشنطن ربما يُفْهَم على أنه تصعيدٌ غير مبرَّر، وقد يدفع بمصر إلى تبنّي كافَّة الخيارات المتاحة للدفاع عن أمنها المائي.

دبلوماسية المياه وأُفق التعاون الإقليمي:

هل مازالت دبلوماسية المياه قادرة على نزع فتيل الحرب بين مصر وإثيوبيا؟ يبدو أن الولايات المتحدة واستنادًا إلى تصريحات وزير الخزانة يوم 28 فبراير 2020م عازمة على إتمام اتفاق نهائي بشأن سد النهضة. بيد أن المشكلة الرئيسية تتمثل في ضرورة استكمال إجراءات بناء الثقة، وإعمال مبدأ حُسن النية بين أطراف التفاوض، بالإضافة إلى التوافق على إنشاء إجراءات مؤسسية لتجنُّب أيّ مخاطر مستقبلية غير مقصودة.

ولعل أحد مصادر الخطر الرئيسية تتمثل في عدم وجود آلية مستقلة ومقبولة لمتابعة تنفيذ الاتفاقية. وعلى سبيل المثال: كيف يتم تعديل الاتفاقية في ظل تغيُّر الظروف أو الوصول إلى حالة من الانسداد في وجهات النظر بين الدول الأطراف.

تُظهر الأبحاث أن تغيُّر المناخ سوف يزيد من أمد حدوث السنوات الحارة والجافة في حوض النيل؛ مما سيؤدّي على الأرجح إلى تقليل حجم تدفقات المياه في حوض النيل. كما يتطلب سدّ النهضة نفسه إجراء مزيد من الدراسات لتقييم تأثيره على البيئة، والتي يمكنها تحديد حالات الطوارئ المتعلقة باختلالات تدفقات المياه والترسبات والتبخر. وفي ظل وجود الكثير من أوضاع عدم اليقين، فإنه من المحتمل أن يؤدِّي الاتفاق النهائي حول صيغة لتقاسم المياه إلى حدوث تداعيات مستقبلية غير متوقعة.

ولعل البديل الأفضل -من وجهة نظرنا- هو العمل بجدية على وضع إطار مؤسسي شامل للإدارة المتكاملة لموارد النيل، وتطويرها لمصلحة جميع الدول المشاطئة. تبدو مسودة الاتفاقية معقولة بما يكفي لتقسيم عملية ملء السد وتشغيله على مرحلتين. والجدير بالذكر أن هناك وضوحًا وتوافقًا أكبر حول المرحلة الأولى من ملء الخزان ليصل إلى ارتفاع 595 مترًا فوق مستوى سطح البحر من أصل 632 مترًا، وهي تستغرق نحو عامين، مما يمنح مصر والسودان وإثيوبيا فرصة من الوقت لصياغة إطار تعاون أكثر شمولاً، ولا سيما في حالة تأجيل اختبار السد، وبدء الملء الأول إلى موسم الفيضان القادم في 2021م. من الناحية المثالية، يجب أن تكون الاتفاقية شاملة بما فيه الكفاية لتوفير إطار تعاوني لإدارة -ليس فقط سد النهضة-، وإنما غيره من المشاريع المستقبلية المحتملة على النيل. في هذه الحالة يمكن الاعتماد على المعايير الدولية لإدارة المياه عبر الحدود والاستفادة من التجارب الأخرى الناجحة؛ مثل لجنة نهر الميكونج في جنوب شرقي آسيا.

ربما يكون من المفيد في هذا السياق إعادة النظر في الاتفاقية الإطارية الشاملة لمبادرة حوض النيل وتعديلها؛ حيث لا تزال كلّ من مصر والسودان يعترضان عليها، لتكون بمثابة أساس لاتفاقية مستقبلية جامعة بين جميع دول حوض النيل. هذا النهج الجماعي يضمن تحقيق العديد من المزايا وفقًا للمنظور التعاوني، ومن ذلك:

1-وجود آلية مؤسسية مشتركة لتنسيق وتطبيق الاتفاقيات الخاصة بالمشروعات المستقبلية على غرار سَدّ النهضة.

2-يمكن تصميم أُطُر هندسية ورياضية لاستيعاب الاستجابات للتغيرات غير المتوقعة، بما في ذلك تنسيق المشاريع المستقبلية وتغيُّر المناخ.

3-يمكن تحديد نطاق وشروط المبادَرَات المستقبلية لإدارة النيل أو صونه أو تطويره بشكل مسبَق.

4-سوف يتمّ بناء الشرعية القانونية والأخلاقية للاتفاقية استنادًا لمبدأ الحقوق والمسؤوليات المشتركة لجميع دُول حوض النيل، وبما لا يضرّ بحقوق دولتي المصبّ.

حدود الدور الأمريكي:

 لا شكَّ أن قرار إثيوبيا بالتغيُّب عن اجتماع واشنطن للتوقيع على الاتفاق الأخير، ثم إعلان مجلس وزرائها الانسحاب كلية من المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات العامة يمثل أحدث المواقف الإثيوبية المتقلبة على مدى عقد من الزمان. بَيْدَ أنَّ المحاولات الأمريكية لدفع الأطراف إلى إتمام الصفقة تبدو حاسمة؛ حيث أكدت الإدارة الأمريكية ضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي قبل البدء في مرحلة اختبار التوربينات والملء الأول لخزان السد. لقد بدأت الولايات المتحدة والبنك الدولي التدخُّل في المفاوضات بشكل مراقب، ولكنّهما قاما بصياغة الشروط والضغط على الأطراف للتوقيع، وهو ما أدَّى إلى كسر الجمود.

ولكن يبدو أن إثيوبيا التي تعاني من مشكلات تبعات إصلاحات آبي أحمد المتسارعة، وتقلُّبات مرحلة ما قبل الانتخابات العامة التي تم تأجيلها إلى أغسطس 2020م؛ ترى أن الولايات المتحدة تمارس عليها ضغوطًا كبيرة في صفقة قد تتعارض مع مصالحها الوطنية.

ومع ذلك فقد ركَّز الخطاب الرسمي الإثيوبي منذ البداية على أن سدّ النهضة مشروع إقليمي يربح فيه الجميع، ولذا ينبغي معالجة مخاوف دولتي المصبّ المتعلقة بملء خزان السد، وتأثير ذلك على منسوب المياه في بحيرة سدّ أسوان. هذا أمرٌ لا مفرَّ منه. يتعين على كلّ من إثيوبيا والسودان ومصر المُضِيّ قُدُمًا في صياغة اتفاق شامل من شأنه أن يُقلّل المخاطر، ويضع الأسس القوية لعصرٍ جديدٍ من التعاون بين دول حوض النيل.

كتاب الموقع