أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

التداعيات الاقتصادية الحالية والمحتمَلة لفيروس كورونا المستجدّ على القارة الإفريقية

 

 

د. مجدي آدم

الكاتب المختص بالشؤون الإفريقية

 

يحبس العالم بأسْره الأنفاس؛ جرَّاء تفشّي فيروس كورونا المستجدّ، الذي انتشر منذ أكثر من شهرين في كافة أرجائه منطلقًا من مدينة ووهان الصينية.

 وفي السياق التالي نحاول أن نعرّج بقدر المستطاع نحو الآثار الاقتصادية المحتملة لانتشار الفيروس على القارة الإفريقية، بالقَدْر الذي تتيحه البيانات التي رشحت عنها؛ لتقدير موقف القارة حتى تاريخ كتابة هذا البحث، وحتى قبل أن يُنْشَر، فضلاً عن محاولة الوقوف على الآثار المحتملة. حيث نتناول ثلاثة محاور، وخاتمة؛ كالتالي:

المحور الأول: النظريات المتداولة المفسِّرة لأزمة انتشار الوباء.

المحور الثاني: مختصر تاريخ الأوبئة على مرّ العصور، والأوضاع في العالم جرّاء كورونا المستجد حتى العشرين من مارس 2020م.

المحور الثالث: الوضع في إفريقيا، والتداعيات الاقتصادية الواقعة والمحتملة عليها.

المحور الأوَّل

النظريات المتداولة المفسِّرة لأزمة انتشار الوباء

 باختصار، ونظرًا لضيق الوقت والمساحة؛ سأستعرض بعضًا منها في الشكل التالي:

                                         شكل رقم (1) الآراء المختلفة حول مسبِّبات فيروس كورونا المستجد

الرسم بواسطة الباحث

 وسوف نتناول بعضًا من النظريات المفسِّرة لانتشار فيروس كورونا المستجدّ من خلال أربع وجهات نظر؛ هي:

وجهة النظر الأولى: نظرية المؤامرة.

وجهة النظر الثانية: فشل أنظمة الرعاية الصحية، واتهام الحكومات بسوء الإدارة.

 وجهة النظر الثالثة: عقائدية بالدرجة الأولى.

 وجهة النظر الرابعة: طبية متخصصة.

وجهة النظر الأولى: نظرية المؤامرة

 تقوم نظرية المؤامرة على تفسير الظواهر والأحداث والأزمات التي تعاني منها المنطقة العربية، أو في البلدان النامية، ومنها الدول الإفريقية، وتفسير التاريخ بالمؤامرات المُحَرِّكة له؛ بمعنى تفسير الظواهر السياسية المعاصرة من خلال أحادية تدخُّل قُوَى خفيَّة خبيثة وقادرة؛ هي في المحصِّلة إما الغرب أو الصهيونية العالمية، أو الشبكات والشخصيات المحلية المرتبطة بها.

والكتابات في هذا الشأن كثيرة، والردود عليها مِن قِبَل مَن تُوجَّه لهم أصابع الاتهام أيضًا كثيرة، ومنها كتاب "النظريات التآمرية في العالم العربي: مصادر سياسية" المنشور في عام 2010م للمؤلف ماثيو غراي، أو كتاب الصهيوني المعروف دانيال باليس "اليد الخفية: مخاوف الشرق الأوسط من المؤامرة" المنشور عام 1996م.

تبعث تلك الكتابات، وغيرها من عشرات المؤلَّفات، رسالة واحدة؛ مفادها: ابحثوا عن مشكلاتكم في أنفسكم لا في الخارج؛ في أنظمتكم، في مجتمعكم.. إلخ. ويرى المثقفون والأكاديميون في العالم الغربي، والليبراليون، أنَّ تلك الرؤية أقرب إلى الخرافة، وتراها النخبة الغربية قناعات غير عقلانية. حتى في الغرب كثيرًا ما ترى قطاعات شعبية غربية تبنّي نظرية المؤامرة في كثيرٍ من الأحداث والظواهر؛ منها -على سبيل المثال لا الحصر- مما يرتبط بموضوعنا؛ عزو انتشار مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) إلى مؤامرة ضد الأقليات الأمريكية من أصل إفريقي([1]).

 معظم ما يَلحق العالم النامي؛ عربيًّا كان أو إفريقيًّا، من مصائب وكوارث، يتم إيعازه إلى تلك النظرية، وليست مُؤَلَّفات مثل "أحجار على رقعة الشطرنج"، و"حكومة العالم الخفية"، و"بروتوكولات حكماء صهيون"، وغيرها، عنا ببعيد.

 وبالفعل اتَّهم المتحدّث باسم الخارجية الصينية الجيش الأمريكي، باحتمال إدخال فيروس كورونا إلى مدينة ووهان التي كانت الأكثر تضرُّرًا بتفشّي المرض في تغريدة له على حسابه على "تويتر" باللّغة الإنجليزيَّة؛ وهذا اتّهامٌ على درجةٍ كبيرةٍ من الخُطورة، واتّهامٌ مُبطَّنٌ لأمريكا، والرئيس ترامب شخصيًّا، بارتِكاب جرائم ضِد الإنسانيّة؛ لأنّ الكارثة لحقت بمُعظم شُعوب العالم وبورصاته وأسواقه الماليّة، وقد وجَّه المتحدث الصيني مجموعة من الأسئلة إلى الولايات المتحدة، وأرجع المتفقون مع تلك الرواية ذلك إلى صعود الاقتصاد الصيني، وسَعْيه إلى وضع نظام مالي بديل يُنهي هيمنة الدولار خلال خمس سنوات، مع تذكير الرئيس ترامب بأجداده الذين نشروا مرض الطاعون بالطّريقة نفسها، وأبادوا عشَرات الملايين من الهُنود الحُمر([2]).

 ولا يمكننا الانتقال إلى تأويل آخر قبل أن نذكر بعض الآراء التي وُجِّهَتْ إليها أصابع الاتهام؛ وهي شركات الأدوية العالمية، مع الترويج لمصطلحات مثل "عولمة الأمراض والأوبئة"، و"المتاجرة بالمرض".

ومصطلح المتاجرة يُستخدَم لوصف الممارسات المبالَغ فيها في عدم وضع حدود يعتمد عليها لتشخيص المرض، والترويج له بشكلٍ مبالَغ فيه، لزيادة الوعي العام بالمرض؛ بهدف التوسُّع في سوق الدواء. ومن أهمّ المستفيدين جراء ذلك: شركات الأدوية والأطباء، والممارسون الآخرون.

 ويقول هذا الرأي: بأن تلك الشركات تَستخدم جميع الوسائل القذرة للاحتفاظ ببراءات الاختراع، وتترك مئات الملايين من المرضى؛ حمايةً لأرباحها التي تتجاوز أحيانًا تجارة المخدرات والنفط في آنٍ واحدٍ. لتأتي بعد تجارة السلاح، مُحقِّقةً حوالي تريليون دولار تقريبًا، ثم تجارتي المخدرات والنفط بنصف تريليون لكلٍّ منهما([3]).

 وفي الحقيقة؛ تلعب الشركات الدولية دورًا بارزًا في جَعْل سكان القارة الإفريقية مختبرًا لأدويتهم الجديدة. وقد نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرًا بعنوان "فضيحة شركات الأدوية الكبرى في المجتمعات الفقيرة"، كشف أن تلك الشركات تجعل المجتمعات الأكثر فقرًا فئران تجارب لأدويتها الجديدة.

ويشير التقرير إلى أن قارة إفريقيا والهند يُعدّان مثاليْنِ فاضحيْنِ لتلك الممارسات، خاصةً أنه يتم تشييد مصانع تلك الشركات في المناطق الأكثر فقرًا؛ لاجتذاب المزيد من المتطوعين، سواء في أحياء مومباي الفقيرة، أو في دول إفريقيا الأكثر فقرًا.

وجهة النظر الثانية: فشل أنظمة الرعاية الصحية واتهام الحكومات بسوء الإدارة

 لا تخلو تلك الرؤية من التلميح بالمؤامرة، وخلاصتها: أن تكبيل الدول الإفريقية بالديون والقروض، وبرامج الإصلاح الموصَى بها منذ اشتعال الأزمات الاقتصادية في ثمانينيات القرن الماضي، كان له دور أساسي في إفْقار شعوب القارة وإمراضها؛ حيث قال المدير التنفيذي لمنظمة "عمل إفريقيا" صالح بوكر: "إن سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قد تسبّبت في تآكل أنظمة الرعاية الصحية في إفريقيا، واشتداد الفقر بين سكانها. يجب أن تكون هذه المؤسسات مسؤولة عن دورها في التسبّب في أسوأ الأزمات الصحية التي تواجه إفريقيا الآن".

لقد تضرَّر القطاع الصحي سلبًا بتلك الوصفات الإصلاحية، بعدما شهد تقدمًا ملموسًا بُعَيْد الاستقلال، وكان هناك تحسُّن في مُؤشّرات الرعاية الصحية الأساسية، وحقَّق آثارًا إيجابية على صحة السكان الأفارقة، بل كشف أيضًا التزام القادة الأفارقة بمبدأ بناء وتطوير نُظُم الرعاية الصحية([4]).

 مع الأزمة الاقتصادية في الثمانينيات، بدأ الكثير من التقدم الاقتصادي والاجتماعي في إفريقيا على مدى العقدين الماضيين بالتراجع. ومع تحوّل الحكومات الإفريقية إلى عملاء للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ فإنها خسرت السيطرة على أولويات الإنفاق المحلية. مثلما أن الفقر قد زاد من المشكلات الصحية في إفريقيا، فقد أدَّى تدخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أيضًا إلى انهيار أنظمة تقديم الرعاية الصحية. وتم تخفيض دور الدولة في تقديم خدمات الرعاية الصحية إلى حدّ كبيرّ، والأموال المخصَّصة للقطاع الصحي قوَّضت بشدة الخدمات القائمة. والتزامات إفريقيا بسداد الديون إلى الدائنين الأجانب حوَّل الأموال مباشرةً من الإنفاق على الصحة إلى دفع فوائد القروض. ومن ثَم يمكن ذِكْر أهمّ أسباب تدهور القطاع الصحي في إفريقيا وهي([5]):

-انخفاض الإنفاق على قطاع الصحة، وتسريح العاملين فيه.

-الخصخصة ورسوم المستخدم.

-إدارة التأمين الصحي عن طريق القطاع الخاص.

-عدم الوصول إلى المياه النظيفة، وخصخصتها.

وجهة النظر الثالثة: عقائدية بالدرجة الأولى

الوباء قد يكون عقوبة ربانية لقومٍ عصوا ربهم، واستمروا في غيهم غير مُبَالِين بغضب الرب –سبحانه وتعالى-؛ مثلما حلَّ بالأقوام السابقة لظهور الإسلام؛ حيث تعرضت أرض مصر في عهد نبي الله موسى -عليه السلام-، وفرعون لمثل هذا الوباء الذي سلَّطه الله على طائفة من بني إسرائيل؛ ففتك فيهم وفي مواشيهم فتكًا ذريعًا؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الطّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ، ابْتَلى اللَّهُ -عزَّ وجلَّ- به ناسًا مِن عِبادِهِ، فإذا سَمِعْتُمْ به، فلا تَدْخُلُوا عليه، وإذا وقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ بها، فلا تَفِرُّوا منه".(صحيح مسلم: ٢٢١٨).

وقد يكون ابتلاءً من الله لعبادة المؤمنين؛ فعن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الطاعون، فأخبرها أنه " كانَ عَذابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ على مَن يَشاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فليسَ مِن عَبْدٍ يَقَعُ الطّاعُونُ، فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صابِرًا، يَعْلَمُ أنَّه لَنْ يُصِيبَهُ إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ له، إلّا كانَ له مِثْلُ أجْرِ الشَّهِيدِ"( صحيح البخاري: ٥٧٣٤).

وقد أشار نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثه الشريفة إلى الطاعون، وكيفية التصرف إذا وقع في أرض، فقال: "إذا سَمِعْتُمْ بالطّاعُونِ بأَرْضٍ فلا تَدْخُلُوها، وإذا وقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ بها فلا تَخْرُجُوا مِنْها" (صحيح البخاري: ٥٧٢٨).

وجهة النظر الرابعة: طبية متخصِّصة

 ذكرت منظمة الصحة العالمية مع بداية ظهور الفيروس؛ أن فيروس كورونا المستجد هو فيروس حيواني المصدر ينتقل للإنسان عند المخالطة اللصيقة للحيوانات المصابة بالفيروس. كما ينتقل عند التعامل مع فضلات هذه الحيوانات. ورغم أن المصدر الحيواني هو المصدر الرئيسي الأكثر ترجيحًا لهذا الفيروس، تُجْرَى المزيد من الاستقصاءات لتحديد المصدر الدقيق للفيروس وطريقة سريانه، وتنصّ إرشادات منظمة الصحة العالمية للبلدان والأفراد على احتمالية انتشار المرض بسبب مخالطة الحيوانات أو ملامسة الأغذية الملوثة، أو انتقاله من شخص لآخر.

ويتضح، وفقًا لأحدث المعلومات، أنه يوجد على الأقل شكل من أشكال انتقال المرض بين البشر، ولكن لا يتضح إلى أيّ مدى. وتُعزز هذه المعلومات حالات العدوى بين العاملين في مجال الرعاية الصحية وبين أفراد الأسرة. كما تتسق هذه المعلومات مع التجارب مع الأمراض التنفسية الأخرى. وتشير المعلومات الحالية إلى أن الفيروس قد يسبّب أعراضًا خفيفة وتشبه الأنفلونزا، كما قد يسبّب مرضًا وخيمًا. وبينما قد يظهر بمثابة مرض خفيف في البداية، قد يتطور إلى مرض أكثر وخامة، ويبدو أن الأشخاص الذين يعانون من حالات مرضية مزمنة قائمة أو المسنين أكثر عُرضة واستعدادًا للإصابة به([6]).

 وفي تقرير آخر لها منشور على الموقع الرسمي بعد تطوّر الأزمة، منشور في 16 مارس 2020م؛ وصفت منظمة الصحة العالمية فيروسات كورونا بأنها فصيلة كبيرة من الفيروسات التي تسبب اعتلالات تتنوع بين الزكام وأمراض أكثر خطورة، مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS-CoV)، ومتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس)(SARS-CoV) ويُمثِّل فيروس كورونا المستجد (nCoV) سلالة جديدة لم يسبق تحديدها لدى البشر من قبل.

وتعد فيروسات كورونا حَيَوانِيّة المَصْدَر، ويعني ذلك أنها تنتقل بين الحيوانات والبشر. وتوصَّلت الاستقصاءات المستفيضة إلى أنَّ فيروس كورونا المسبِّب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحادّ الوخيم (سارس) قد انتقل من سَنَانير الزبَّاد إلى البشر، بينما انتقل فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية من الجِمَال الوحيدة السنام إلى البشر.

وينتشر العديد من فيروسات كورونا المعروفة بين الحيوانات، ولم تُصِبْ البشر بعدُ. وتشمل الأعراض الشائعة للعدوى أعراضًا تنفسية والحمى والسُّعَال وضيق النفس، وصعوبات في التنفس. وفي الحالات الأكثر حدةً، قد تسبّب العدوى الالتهاب الرئوي، ومتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم، والفَشَل الكُلَويّ، وحتى الوفاة.

وتشمل التوصيات الموحَّدة للوقاية من انتشار العدوى: غسل اليدين بانتظام، وتغطية الفم والأنف عند السعال والعطس، وطهي اللحوم والبيض جيدًا. بالإضافة إلى تجنُّب مخالطة أيّ شخص تبدو عليه أعراض الإصابة بمرض تنفسي، مثل السعال والعطس([7]).

 ويقول خبراء الأمراض المُعْدِيَة الأفارقة: إنه من المهم جدًّا فَهْم كيفية تطور الفيروس في سياق إفريقي، إذا كان الفيروس الجديد يعمل مثل الفيروسات الأخرى، فقد يكون الطقس الدافئ في بعض أجزاء القارة قد أوقف سرعة انتشاره.

 

المحور الثاني مختصر تاريخ الأوبئة على مَرّ العصور

والأوضاع في العالم جرَّاء كورونا المستجد حتى العشرين من مارس 2020م

ونتناول في هذا المحور:

أولاً: مختصر تاريخ الأوبئة على مرّ العصور.

ثانيًا: الأوضاع في العالم جرَّاء كورونا حتى العشرين من مارس 2020م.

أولاً: مختصر تاريخ الأوبئة على مر العصور.

 شهدت البشرية على مرّ التاريخ أصنافًا عدة من الأوبئة، فوفقًا للموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية، فإن عصر أبوقراط (460-377 ق.م)، وعصر جالينوس (129-216م) شهدا تفشيًا واسعًا لوباء قد يكون هو الكوليرا، كما أن مرضًا يشبه الكوليرا أيضًا كان معروفًا في سهول نهر الغانج (في شمال الهند) منذ القدم. وقد شهد التاريخ حالات كثيرة لأوبئة مثل الكوليرا والطاعون والحصبة والإنفلونزا والسارس، وأنفلونزا الطيور، وأنفلونزا الخنازير، وغيرها، والتي تسببت بمقتل عشرات الملايين، وبرغم التقدم الكبير الذي أحرزه العالم في الرعاية الصحية في العصر الحديث، ما يزال وباء الكوليرا يُصيب ما يتراوح بين 1,3 مليون شخص و4 ملايين شخص سنويًّا، ويقتل ما يتراوح بين 21 ألف شخصٍ و143 ألف شخصٍ حول العالم كلّ عام، محدثًا خسائرَ كبيرةً في الأرواح، ومحمّلاً الاقتصاد العالمي أعباء ثقيلةً([8]).

ويلخص الجدول التالي أبرز الأوبئة التي انتشرت في العالم على مر التاريخ، ومناطق تفشّيها، ناهيك عن عدد الضحايا، وتاريخ حصولها.

جدول رقم (1)

أبرز الأوبئة التي شهدها العالم منذ فجر التاريخ، ومناطق انتشارها، وضحاياها

 

الوباء

 

تاريخ الوباء

عدد الضحايا

 

المنطقة

الطاعون لانطوني (الجدري)

165

- 180 م

 

ألفين يوميًّا

 

الدولة الرومانية

 

طاعون جستنيان

541

-542 م

عدد كبير

من الضحايا

الإمبراطورية البيزنطية، في آسيا وإفريقيا وأوروبا، انتقل من مصر إلى القسطنطينية، حيث كانت تُؤمّن احتياجاتها من الحبوب.

 

الطاعون الأسود

1348

- 1349 م

20 مليونًا

أوروبا، البشر كانوا مسؤولين عن انتقال العدوى وليس الفئران، على حسب إحدى الدراسات في 2018م.

 

طاعون لندن

 العظيم

1665

- 1666 م

100ألف، ربع سكان المدينة آنذاك

العاصمة البريطانية، قادمًا من هولندا، وجرثومته أصل البكتريا المسببة للطاعون حديثًا، وفقًا لآخر الدراسات في 2011م.

الحمى الصفراء

1793م

45 ألفًا

فيلادلفيا الأمريكية

الطاعون العظيم بمدينة مارسيليا الفرنسية

1720

 

100

 ألف

مارسيليا الفرنسية،

ولم يستمر سوى أيام

 

الكوليرا

1820م

100

 ألف

مدينة كالكوتا في الهند، ومنها انتشرت في جنوب آسيا والشرق الأوسط وساحل البحر الأبيض المتوسط، وقد وصل هذا الوباء إلى الصين.

طاعون منشوريا

1910 – 1911

60 ألفًا

منشوريا في الصين.

الأنفلونزا الإسبانية

1918 م

40- 50 مليون

العالم بأسره، لم يدرك الأطباء حينها بالطبع أن الفيروسات هي التي تسبّب هذه الأمراض". وكان الطريق أمامهم لا يزال طويلاً لاكتشاف الأدوية المضادة للفيروسات واللقاحات التي تساعد الآن في كبح تفشّي المرض وتسريع التعافي منه.

الأنفلونزا الآسيوية

1975-1958م

عدد كبير

سنغافورة وهونغ كونغ، ثم الولايات المتحدة.

أنفلونزا الخنازير

2009م

18 ألفًا

المكسيك ثم دول العالم، أكثر الفيروسات خطورة؛ حيث يتمتع بقدرة تغيُّر سريعة، هربًا من تكوين مضادات له في الأجسام التي يستهدفها.

 

بي بي سي عربي، فيروس كورونا: تعرف على أبرز الأوبئة التي ضربت العالم وقتلت الملايين، 29 فبراير/ شباط 2020م، متاح على الرابط:

: https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-51675634

 وتفيد منظمة الصحة العالمية في تقاريرها أنّ الكوارث الطبيعية، والأمراض الفتاكة والأوبئة التي ظهرت في السنوات العشر الأخيرة، كان لها تداعيات اقتصادية مؤثرة، أضرَّت بالمشروعات المستقبلية، فبدلا ًمن التوجُّه نحو المستقبل أصبح من الضروري التوقُّف لمعالجة آثارها الناجمة التي انعكست سلبًا على البيئة والاقتصاد والحياة الاجتماعية.

وبالنسبة للأوبئة؛ فقد تسبب وباء أنفلونزا الطيور في خسائر للاقتصاد العالمي بأكثر من 800 بليون دولار في عام واحد، وسوف تتسبب الآثار الناجمة عن الأمراض المزمنة في الصين والهند والاتحاد الروسي بخسارة مليارات الدولارات على مدى العشر سنوات القادمة.

وكان من المتوقع أن تسبّب أمراض القلب والسكتة والسرطان والسكري ما بين أعوام 2005- 2015م خسائر تراكمية بأكثر من 558 مليار دولار، وفي الاتحاد الروسي بأكثر من 303 مليارات دولار. ومن المتوقع أن تتسبّب الأمراض غير المُعْدِيَة في نحو ثلاثة أرباع الوفيات عالميًّا بحلول 2030م.

ويصل عبء التكاليف الاقتصادية للأمراض غير المُعْدِيَة في الدول النامية ما بين 0,2% إلى 6,7% من الناتج القومي الإجمالي للدول، كما تشير التوقعات العلمية إلى أنّ 2030 ستشهد زيادة في عدد الوفيات من جراء الأمراض المزمنة؛ مثل: القلب والسرطان والسكري([9]).

ثانيًا: الأوضاع في العالم جراء كورونا حتى العشرين من مارس 2020م

 أعلنت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء الموافق الحادي عشر من مارس 2020م، فيروس كورونا المستجد الذي يتفشَّى حول العالم "وباءً عالميًّا"، لكنَّها أكَّدت أنه لا يزال من الممكن "السيطرة عليه". وبحسب المنظمة، فقد تضاعف في الأسبوعين الأخيرين عدد الإصابات بالفيروس خارج الصين ثلاث عشرة مرة –قبل 11 مارس-، كما تضاعف عدد البلدان التي وصل إليها الوباء ثلاث مرات.

والرسم البياني التالي يوضّح أكبر عشر دول في العالم تضررًا من الفيروس من حيث حالات الإصابة والوفاة، حتى 17 مارس 2020م.

                                               شكل رقم (2) أكبر عشر دُوَل تضررًا في العالم

                                               جرَّاء فيروس كورونا المستجد في 17 مارس 2020م

 

الرسم بواسطة الباحث من المصدر: بي بي سي، خريطة انتشار فيروس كورونا وأعداد الإصابات والوفيات حول العالم، في 13 مارس 2020م، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/51855397

 يتضح من الشكل أعلاه، أن هناك خمس دُوَل من بين السبع دول الصناعية الكبار، من بين أعلى الدول إصابةً بالفيروس، على الرغم من القدرات التكنولوجية، وتطور قطاع صناعة الدواء، وقوة الأنظمة الصحية فيها، ممَّا يهدد نمو الاقتصاد العالمي، الذي يعاني من أزمات أصلاً.

                                                                   شكل رقم (3)

                                        الوزن النسب لحالات الإصابة والوفاة من فيروس كورونا

                                                 لأعلى عشر دول في العالم حتى 17 مارس 2020م:

 

 

                                            الرسم بواسطة الباحث، بعد إجراء بعض العمليات الإحصائية من المصدر:

بي بي سي، خريطة انتشار فيروس كورونا وأعداد الإصابات والوفيات حول العالم، في 13 مارس 2020م، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/51855397

 وعند التركيز في الشكل رقم (3)، يتبين أن الصين موطن الوباء حققت 46% من إجمالي الإصابة والوفاة في العالم، استحوذت على نصيب الأسد من معدلات الإصابة والوفاة، تلتها إيطاليا، وإيران، ثم إسبانيا. بنسب 18%، و9%، و7%. وجدير بالذكر أن تلك الدُّوَل، تُمثّل غالبية الناتج الإجمالي العالمي، وغالبية سكان العالم([10]).

 وبتاريخ العشرين من مارس للعام 2020م؛ توقفت حالات الإصابة بالصين، مع زيادة حالات الوفاة بإيطاليا، لتفوق معدلات الوفاة في الصين، في حين تسجل إيران أسرع معدلات الوفاة، وفقًا للبيانات المحددة من جامعة جونز هوبكينز.

                                        شكل رقم (4) أكبر عشر دول تضرُّرًا في العالم

                                      جراء فيروس كورونا المستجد في 20 مارس 2020م

 الرسم بواسطة الباحث من المصدر: بي بي سي، خريطة انتشار فيروس كورونا وأعداد الإصابات والوفيات حول العالم، في 13 مارس 2020م، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/51855397

 وفي الثامن والعشرين من فبراير، كان هناك إجماع على أنَّ النمو الاقتصادي في الصين سوف يتباطأ في الربع الأول من عام 2020م، ثم يليه انتعاش قويّ، ثم استقرار، لكنَّ هذا الرأي المتفائل يُرجّح أيضًا أن فترة الانكماش سوف تكون حادَّة؛ حيث يعمل الاقتصاد الصيني بجزء من طاقته؛ فقد توقفت العديد من القطاعات الاقتصادية بالنسب التالية؛ قطاع التصنيع 32%، وتجارة التجزئة (10%)، والعقارات (7%)، النقل (4%)، وغيرها، وبعد أسابيع قليلة من انتشار الوباء أصبح الاقتصاد يعمل بـ50% فقط من طاقته.

وبالمقارنة بين سارس وكورونا المستجد نجد أن الأول أصاب عددًا أقل من الأشخاص في العام 2003م، أما الثاني فقد أصاب الأضعاف، فضلاً عن تضرر الملايين من العائلات. وتركزت حالات الإصابة بالسارس في مقاطعة قوانغدونغ وبكين. بينما انتشرت إصابات (كوفيد -19) على كامل الصين، وتعطلت العمليات التجارية في جميع أنحاء البلاد([11]).

ومن المتوقع أن يخسر الاقتصاد العالمي ترليونات الدولارات، جراء الركود الاقتصادي الحاصل، والذي سيحصل، فضلاً عن تكاليف المكافحة والعلاج.

 

المحور الثالث

الوضع في إفريقيا، والتداعيات الاقتصادية عليها حتى العشرين من مارس 2020م

 كان للدول الإفريقية تجارب سابقة للتعامل مع الأوبئة، منها الإيدز، والإيبولا، وغيرها، راح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الفادحة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: الإيدز، وإيبولا، وسوف نتناول في هذا المحور ما يلي:

أولاً: انتشار الفيروس، وجهود الدول الإفريقية لمكافحته.

ثانيًا: الآثار الاقتصادية الواقعة، والمحتملة لفيروس كورونا المستجد على إفريقيا.

أولاً: انتشار الفيروس، وجهود الدول الإفريقية لمكافحته:

 سُجلت أول حالة وفاة في القارة الإفريقية لسائح ألماني في مصر، ثم توالى انتشار الفيروس في الدول الإفريقية، وعلى الرغم من الروابط الوثيقة بين الصين والقارة الإفريقية، إلا أن حالات الإصابة مرتبطة بأوروبا. وهو ما أثار قلق منظمة الصحة العالمية عندما أعلنت حالة طوارئ صحية عالمية في وقت سابق من فبراير.

وكما لاحظ مايكل ياو، رئيس عمليات الطوارئ في منظمة الصحة العالمية في إفريقيا؛ فإن الأنظمة الصحية في القارة "مرهقة بالفعل بالعديد من حالات تفشّي الأمراض الجارية" فإن الكشف المبكر أمر حيوي. وقال: "ننصح الدول بالكشف عن الحالات على الأقل في وقتٍ مبكرٍ لتجنُّب انتشار الفيروس الجديد داخل المجتمع؛ الأمر الذي سيكون من الصعب إدارته".

وقد استفادت القارة من بطء وصول الفيروس إلى إفريقيا إلى حد ما؛ مما منَح دولها الـ54 نافذة لإعداد قدرات الاختبار والعلاج، وتمتلك 33 دولة من دول جنوب الصحراء الإفريقية مرافق اختبار، مقارنةً باثنين فقط في شهر يناير (في جنوب إفريقيا والسنغال)([12]).

 وفي نيجيريا ينشر مركز السيطرة على الأمراض (NCDC) تقارير يومية مع تحديثات حول الحالات، مع توفير رقم هاتف مجاني ورقم WhatsApp للاستفسارات والمشورة. وللمعهد القومي للأمراض المُعْدِيَة بجنوب إفريقيا رقم مجاني أيضًا.

ولا توجد الكثير من الحالات المؤكدة في شرق إفريقيا، على الرغم من وضع العديد من الأشخاص في الحجر الصحي كإجراء وقائي. ففي كينيا، فتحت الحكومة مركز الحجر الصحي في العاصمة نيروبي، للحالات المشتبه فيها. وفي تنزانيا، أعلن وزير الصحة أنه تم تحديد مراكز العزل في شمال وشرق وغرب البلاد، كما تم تخزين موازين الحرارة وتم تدريب أكثر من 2000 عامل صحي. وفرضت أوغندا العزلة الذاتية المنظمة في المنزل لعدد من الركاب الذين يحتاجون إلى الحجر الصحي عند الوصول إلى مطار عنتيبي. وتقوم المطارات في جميع أنحاء القارة باختبار درجات حرارة الركاب عند وصولهم، والحجر الصحي لأيّ حالات مشتبه فيها من سلالة الفيروس التي تسبب Covid-19. وأوقفت العديد من الدول رحلاتها إلى الصين، وتم إيقاف العديد من الرحلات الجوية إلى البلدان الأخرى المتضررة من الفيروس([13]).

 يمكن القول: إن جنوب إفريقيا، أكثر الاقتصادات نموًّا في القارة، هي الأكثر قدرة على التعامل مع تفشي المرض. ولكن هناك مخاوف خاصة تتعلق بوباء فيروس نقص المناعة المكتسبة منذ فترة طويلة في البلاد؛ حيث يعيش أكثر من سبعة ملايين شخص في جنوب إفريقيا مع فيروس يُضعف جهاز المناعة بشكل خطير، مما يجعل العديد من الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بـ Covid-19.

وقد توقَّع بعض الخبراء والمراقبين الدوليين بأنَّ العدد المنخفض نسبيًّا للحالات في إفريقيا قد يكون ببساطة نتيجة للإبلاغ الضعيف ومعدلات الاختبار المنخفضة. على سبيل المثال؛ حددت نيجيريا أكثر من 200 شخص اتصلوا برجل إيطالي أحضر أول حالة للفيروس إلى البلاد، لكنها لم تختبر حتى الآن سوى 33 شخصًا منهم. وقال الدكتور أمادو سال، مدير معهد باستور في داكار: في بداية تفشّي المرض، قام المعهد بتدريب 35 مختبرًا في جميع أنحاء القارة لإجراء اختبار Covid-19. وذكر أن مسؤولي الصحة الأفارقة تعلموا أيضًا الكثير من أزمة فيروس إيبولا في غرب إفريقيا في عام 2014م، وأنشئوا اتصالات مهمة وشبكات تعاونية تهدف إلى احتواء الفيروس([14]).

 كذلك سجلت نيجيريا حتى تاريخ الثلاثاء 17مارس 2020م عددًا قليلاً نسبيًّا من حالات الإصابة بالفيروس؛ مقارنةً ببقية القارة. وفي السودان قال محمد الفكي سليمان -المتحدث باسم المجلس الانتقالي للسيادة السودانية-: إن السودان أغلق كل الموانئ والمعابر البرية والمطارات، كما أعلن المجلس حالة الطوارئ الطبية، وشكَّل لجنة لمنع انتشار الفيروس في البلاد.

وسجلت سبع وعشرون دولة إفريقية فقط 347 حالة إصابة بفيروس كورونا، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وهناك أربع دول –مصر، الجزائر، جنوب إفريقيا، والمغرب- مسؤولة عن أكثر من نصف حالات الإصابة في القارة، تُوفّي سبعة أشخاص في إفريقيا: أربعة في الجزائر، واثنان في مصر، وواحد في المغرب([15]).

 تقوم العديد من الدول الإفريقية بإغلاق مطاراتها وحدودها البرية لمنع دخول الأشخاص من الدول التي لديها عدد كبير من حالات الإصابة بالفيروس؛ حيث أُلغيت المئات من الرحلات الدولية، وأُغلقت المدارس، وتم تقييد المسافرين من البلدان المصابة بالفيروس، أو في بعض الحالات، من زيارة بعض البلدان في إفريقيا. كما حددت السلطات المصرية يوم 19 مارس 2020م إغلاق رحلاتها من جميع مطاراتها. وذكرت وسائل الإعلام الحكومية أن المدارس والجامعات مغلقة في البلاد لمدة أسبوعين على الأقل. وقالت السفارة الأمريكية في جيبوتي في بيان لها: إن بعض الدول مثل جيبوتي لم تُسجّل حالة واحدة بعد، لكنها علقت جميع الرحلات الدولية إلى البلاد([16]).

 وفي جنوب إفريقيا أعلنت "حالة كارثة وطنية". كما وضعت عددًا من القيود على سفر الرعايا الأجانب؛ في محاولة لوقف انتشار الفيروس.

 وكانت منظمة الصحة العالمية قد ذكرت أن القارة الإفريقية من المحتمل أن تتضرر أكثر من الصين، لكنَّ السلطات في العديد من البلدان الإفريقية أُشيد بها مؤخرًا لقدرتها على احتواء ومعالجة تفشي فيروس كوونا الأخير([17]). غير أنها بحاجة إلى تعزيز قدراتها على الكشف المبكر عن جميع المرضى، وعزلهم، وتتبعهم، وإدارة المرضى بفعَّالية؛ لكبح انتشار الفيروس. وكان فحص المطار ونظام المراقبة القويّ وسيلة فعَّالة للكشف عن حالات المسافرين من دون أعراض([18]).

 ويبين الشكلان البيانيان خارطة مختصرة لأبرز عشر دول من حيث حالات الإصابة والوفاة بالقارة الإفريقية حتى تاريخ السابع عشر من مارس 2020م.

                                                               شكل رقم (5)

                             حالات الإصابة والوفاة من فيروس كورونا المستجد في القارة الإفريقية

                                                 حتى يوم 17 مارس 2020م

 الرسم بواسطة الباحث من المصدر: بي بي سي، خريطة انتشار فيروس كورونا وأعداد الإصابات والوفيات حول العالم، في 13 مارس 2020م، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/51855397

 حيث يتبين من الشكل أعلاه أن أكبر اقتصادات القارة من حيث الحجم، والنمو والقوة التصديرية، والدول صاحبة الزعامة في إقليمها، هي الأكثر تضررًا من الفيروس، في حين غابت نيجيريا. أيضًا لاحظنا أن حوالي نصف هذه الدول غير نفطية بالدرجة الأولى؛ مثل: مصر، جنوب إفريقيا، السنغال، تونس، الكاميرون، وإثيوبيا. وكثير منها يتّسم اقتصاده بالتنوع، وإجراء بعض العمليات الصناعية على صناعاتها الاستخراجية، وهذه الدول مرتبطة بالاتحاد الأوروبي أكثر من الصين في غالبيتها، وهو ما يؤكّد أنَّ دول الاتحاد الأوروبي أصبحت بؤرة جديدة للوباء من ناحية، وثانيها أن حالات الإصابة في غالبية الدول جاءت عن طريق الاتحاد الأوروبي، وليس الصين. وثالثًا أن الاتحاد الأوروبي شريك تجاريّ كبير لتلك الدول، والتي يقع كثير منها في إقليمي الشمال والغرب الإفريقي. كما أن النظام الصحي في تلك الدول أقوى نسبيًّا من دول إفريقيا جنوب الصحراء، المتضررة أصلاً من أوبئة مثل الإيبولا. فضلاً عن أن تقدم عمليات الكشف الوقائي في تلك الدول ساعدت في التعرُّف على الكثير من الحالات، وأضف إلى ذلك موضوع الشفافية في الإعلان. غير أنَّ دولة جنوب إفريقيا تزداد فيها احتمالية تطوُّر الوباء وانتشاره بسبب انتشار مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في ملايين المواطنين بها.

 وقد ركَّزت البيانات، والكتابات المحدودة على الصين، وعلاقتها التجارية القوية بالقارة الإفريقية، غير أنه يمكن القول: إنَّ علاقات الصين تتركز في الشرق والجنوب الإفريقي، وتلك الدول تنخفض فيها القدرات على الكشف والوقاية لضعف النُّظُم الصحية بها، ومن ثَم الإعلان عنها، أو أنه يمكن القول بأنَّ ضعف الإصابة في تلك الدول ترجع إلى ارتفاع درجات الحرارة كما ذكر بعض المتخصّصين، أو لخبراتها في مكافحة بعض الأوبئة بالقارة؛ لذا لم تذكر في المراتب الأولى لمعدلات الإصابة.

                                   شكل رقم (6) الوزن النسبي للدول الإفريقية في معدلات الإصابة والوفاة

                                من فيروس كورونا المستجد في القارة الإفريقية حتى يوم 17 مارس 2020م

 

الرسم بواسطة الباحث، بعد إجراء بعض العمليات الإحصائية من المصدر:

بي بي سي، خريطة انتشار فيروس كورونا وأعداد الإصابات والوفيات حول العالم، في 13 مارس 2020م، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/51855397

 ويبين الشكل رقم (6) استحواذ مصر على نصيب الأسد من القارة الإفريقية في معدلات الإصابة، بنسبة تقترب من نصف معدلات الإصابة، تلتها جنوب إفريقيا، والجزائر بنسبة 14% من معدلات الإصابة، ثم المغرب 9%. وبتاريخ العشرين من مارس، الجمعة لعام 2020م، تحققت المعدلات التي بيَّنها الشكل التالي؛ حيث بالمقارنة بتاريخ 17 مارس تبين زيادة حالات الإصابة، وتغير نسبيّ في ترتيب الدول المصابة، خلال ثلاثة أيام فقط.

                                                                       شكل رقم (7)

                                  حالات الإصابة والوفاة من فيروس كورونا المستجد في القارة الإفريقية

                                                                 حتى يوم 20 مارس 2020م

الرسم بواسطة الباحث من المصدر: بي بي سي، خريطة انتشار فيروس كورونا وأعداد الإصابات والوفيات حول العالم، في 13 مارس 2020م، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/51855397

ثانيًا: الآثار الاقتصادية الواقعة، والمحتملة لفيروس كورونا المستجد على إفريقيا

 من المرجح أن تكون التداعيات الاقتصادية على القارة شديدة وطويلة الأمد، ولتقدير الطبيعة المعقدة للتداعيات، من الضروري فهم آليات الانتقال والتأثيرات المتعددة للعدوى، ونظرًا لاعتماد البلدان الإفريقية، على تصدير المواد الأولية سواء كانت استخراجية أو زراعية، وارتفاع نصيب تلك السلع في الناتج المحلي الإجمالي من ناحية، ومن ناحية أخرى تعتبر الولايات المتحدة والصين، والاتحاد الأوروبي أكبر الشركاء التجاريين مع القارة، وهذه الدول هي الأكثر تضررًا، ومن ثَمَّ بديهيًّا فإن الآثار الاقتصادية الواقعة على القارة ستكون كبيرة، ومع الأخذ في الاعتبار تهاوي أسعار النفط في العالم، والتي انخفضت بأكثر من 20% منذ التاسع من مارس 2020م، نظرًا لحرب النفط المشتعلة.

 فمثلاً الصين هي أكبر شريك تجاري لإفريقيا، وتعمل حوالي 10000 شركة صينية حاليًا في جميع أنحاء القارة. وفقًا لوسائل الإعلام الصينية، يعيش أكثر من مليون صيني في الدول الإفريقية. وتشير التقديرات إلى أن شركات الطيران الإفريقية خسرت 400 مليون دولار (312 مليون جنيه إسترليني) منذ بدء تفشي المرض مع شركات طيران مثل خطوط جنوب إفريقيا، الخطوط الجوية الملكية المغربية، طيران تنزانيا، خطوط طيران موريشيوس، مصر للطيران، طيران رواندا والخطوط الجوية الكينية، وجميعها توقف رحلاتها من وإلى الصين([19]).

وفي السياق التالي سوف نتناول الآثار الواقعة والمحتملة على:

1- الأسواق المالية والعملات المحلية.

2- القطاعات الاستخراجية.

3- القطاعات غير الاستخراجية.

4- أخرى.

1- الأسواق المالية والعملات المحلية

 حيث يمكن أن يكون التأثير فوريًّا ومباشرًا وقاسيًا؛ حيث وصلت معنويات المخاطر السلبية بالفعل إلى المستويات التي شُوهِدَت آخر مرة خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008م، وألحقت الضرر بالأسواق الناشئة، وتبع ذلك عمليات بيع كثيفة، وكانت العملات الإفريقية في خطّ المواجهة؛ حيث تأثر الراند الجنوب إفريقي بشدة، باعتباره مُعبِّرًا عن الأسواق الناشئة. مع تراجع الطلب الصيني بشكل كبير، وانخفاض حادّ في أسعار السلع الأساسية، وفرار رأس المال الأجنبي، ضعفت العملات الإفريقية حتمًا، بينما ارتفعت عائدات السندات. وانخفض الراند بنسبة 5% مقابل الدولار، في حين قفزت سندات جنوب إفريقيا لمدة 10 سنوات 32,5 نقطة أساس.

كما خسرت الكواشا الزامبية أكثر من 3% مقابل الدولار في نفس الفترة. بل وصل الأمر إلى مطالبة حاملي سندات الدَّيْن بعلاوة ممَّا يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل، فضلاً عن احتمالية ارتفاع تكلفة سداد وخدمات الدَّين بالعملة خاصة الضعيفة منها([20]). يذكر أن العملة النيجيرية النيرا تعرَّضت لضغوط؛ لأن صادرات البترول تُشكّل نسبة 90% من الصادرات النيجيرية([21]).

 وقد بدت المخاوف في أوضح صورها داخل ردهات بورصة جوهانسبرج للأوراق المالية في دولة جنوب إفريقيا، التي مُنِيَتْ في الأسبوع الأول من إعلان حالة الطوارئ بخسائر حادة زادت على 2,6%، مسجلة بذلك أكبر تراجع منذ ثمانية شهور، وتجلَّى الانزعاج الذي انتاب المستثمرين في أسواق المال داخل دولة جنوب إفريقيا بوجه خاصّ؛ نظرًا لأن العديد من الشركات في البلاد انكشفت في تعاملاتها مع الصين، فإن فريقًا آخر أخذ ينظر بقلق شديد وموازٍ للتداعيات الاقتصادية المرتقبة للوباء حول العالم، وخاصة قارة إفريقيا التي يرون أنها عرضة لتقلبات حرجة نظرًا لأن معظم اقتصادات القارة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد من الخارج، وتوقَّع المراقبون عددًا من الارتدادات والتداعيات الاقتصادية التي ستُمْنَى بها إفريقيا حال استمرار تصاعد وباء فيروس كورونا في الصين، وجاء في مقدمتها أن حكومة بكين ستنكَبّ إلى الداخل، واستشهدوا بما حدث أثناء انتشار وباء "سارس" في عام 2003م حين انغمست الصين في تفاصيل تلك الأزمة بصورة حرجة، وتوقعوا تراجع السياسة الاقتصادية الخارجية للصين([22]).

 وكان الاقتصاد الصيني قد دخل فعليًّا في حالة تباطؤ قبل إعلان الفيروس وباءًا عالميًّا، أما الآن ومع ميل عشرات الملايين من المواطنين الصينيين للبقاء في منازلهم خشية الإصابة بالفيروس، وتصاعد أعباء وتكاليف الوقاية والرعاية الصحية، فإن الإنفاق الاستهلاكي للصينيين يتوقع تراجعه بوتيرة أكبر من ذي قبل، وقد تتسبب تلك العوامل في إحداث تأثير فوري على مستويات الطلب على الصادرات الزراعية والحيوانية الإفريقية؛ مثل اللحوم الناميبية، والقهوة الرواندية، والشاي الكيني، والموالح القادمة من جنوب إفريقيا.

أما رابع التداعيات التي رصدها المراقبون فتتمثل في عزوف المسافرين الصينيين ورجال الأعمال والمستثمرين وخوفهم من السفر إلى الخارج أثناء تفشّي وباء فيروس كورونا، وهو ما يُتوقع أن يصاحبه انخفاض في أعداد المسافرين والسياح بين الصين وإفريقيا؛ حيث إن العديد من خطوط الطيران الإفريقية أطلقت عددًا لا يُستهان به من رحلات الطيران المنتظمة لنقل الطلبة والعمال والسياح بين الجانبين، وهو قطاع يتوقع مراقبون أن يتضرر بصورة كبيرة قد تمتد حتى نهاية عام 2020م.

 ونظرًا للطبيعة المفاجئة للأزمة، فإن الأمر يتطلب تدبير الموارد اللازمة لمكافحته، في ظل تراجع إيرادات الدولة المحتمل، وتراجع النشاط الاقتصادي لدى معظم البلدان الإفريقية التي لديها قواعد ضريبية ضيقة وآليَّات تحصيل ضعيفة، واعتماد كبير على عائدات السلع.

ومن المرجَّح أن تتعرض جميع هذه المصادر لضغوط كبيرة، ونظرًا لأن غالبية البلدان الإفريقية تعاني من عجز ماليّ، فإن مرونة سياستها محدودة (باستثناء خفض أسعار الفائدة، وهو تدخل متواضع في أحسن الأحوال)، ولا يمكن القيام بما يكفي لمواجهة التباطؤ الذي يبدو أنه يقترب في جميع القطاعات تقريبًا. مع بقاء عدد قليل من أدوات السياسة التي يمكن استخدامها، والعديد من الدول الإفريقية مُكَبَّلَة بسياسات صندوق النقد الدولي، فربما تلجأ تلك الدول إلى الاقتراض لمواجهة الأزمة([23]).

2- القطاعات الاستخراجية

حسب التقرير الصادر عن وكالة بلومبرج؛ فإن الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى ستلحق بها أكبر الأضرار جراء فيروس كورونا حتى لو لم تظهر فيها حالة إصابة واحدة. وسبب ذلك هو تضرّر الاقتصاد الصيني، بمعنى إحجام الشركات الصينية عن شراء البترول والمعادن التي تعتمد عليها الكثير من البلدان الإفريقية، كمصدر أساسي للدخل.

وقد قدرت الوكالة الخسائر المتوقعة بأربعة مليارات دولار قيمة صادراتها البترولية إلى الصين، تلك الخسائر ستنشأ لسببين؛ أولهما تراجع أسعار النفط بحوالي 5%، فضلاً عن تباطؤ الاقتصاد الصينيّ.

وقبل اندلاع أزمة وباء كورونا المستجد، كان العالم تحت وَقْع الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وبعد انتشار الوباء انخفضت توقعات النمو العالمي؛ ممَّا قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى الركود؛ حيث تم تخفيض النمو الصيني المتوقع، الذي يمثل ما يقرب من 30% من رقم النمو العالمي، من 6% هذا العام إلى 4,5%. ونتيجة لذلك، سيتأثر النمو والاستثمار والتجارة والاستهلاك بشدة؛ نظرًا لأن التأثير المالي والاقتصادي لـ"COVID-19" من شأنه أن يؤثر على جانبي العرض والطلب على السلع والخدمات. وبالنسبة لإفريقيا، يُعَدّ التعدين (جميع المعادن تقريبًا)، أحد أكثر القطاعات تضررًا؛ خام الحديد (جنوب إفريقيا)، والنحاس (زامبيا)، والنفط (نيجيريا وأنجولا وغانا). وتبدو الصورة أكثر تفاؤلاً إلى حد ما بالنسبة للذهب؛ حيث ارتفع سعره إلى أكثر من 1500 دولار أمريكي مما يزيد قليلاً عن 1200 دولار أمريكي قبل عام حيث زاد اللجوء إلى الملاذات الآمنة([24]).

 وتعاني أنجولا بشكل غير مباشر من الوباء؛ حيث يعتمد اقتصاد الدولة بشكل كامل تقريبًا على النفط، ويؤثر التباطؤ في التجارة مع الصين بسبب الوباء على صادرات النفط، ويقول الخبير الاقتصادي الأنجولي بريسيوسو دومينجوس: "بما أن الصين هي أكبر مستورد للنفط في أنجولا، فإن الأزمة لها تأثير مباشر على أسعار النفط. عائدات أنجولا تنخفض بشكل كبير". وقال: "إنه في حين أن ارتفاع أسعار النفط سيكون حافزًا لزيادة الإنتاج وإجراء استثمارات جديدة في قطاع النفط الأنجولي؛ فإن انخفاض الأسعار، من ناحية أخرى، ضارّ لاقتصاد هشّ مثل اقتصاد أنجولا"([25]).

 وقد ألغت أنجولا -ثاني أكبر منتج للنفط في القارة بعد نيجيريا ولديها علاقات عميقة مع السوق الصينية- بعض الشحنات المتّجهة إلى البلاد بسبب نقص الطلب، حيث تمثل الصادرات إلى الصين 23% من الناتج المحلي الإجمالي لأنجولا، ومن شأن هبوط أسعار النفط أن يهدد أحد أكبر برامج صندوق النقد الدولي في إفريقيا هناك؛ حيث اعتمدت حكومة الرئيس جواو لورينكو على الأسعار التي بقيت في المتوسط ​​عند 55 دولارًا للبرميل؛ للمساعدة في الاستقرار المالي.

وفي نيجيريا أكبر اقتصادٍ في القارة، لا يزال النفط يوفّر أكثر من نصف إيرادات الحكومة النيجيرية و94% من النقد الأجنبي. وانخفضت أسعار النفط بنحو 13% هذا العام بسبب تراجع الطلب الصيني، قال جون آشبورن -الاقتصادي في شركة كابيتال إيكونوميكس ومقرها لندن-: "إن نيجيريا لا تصدّر الكثير من النفط إلى الصين، لكن كل انخفاض لعشرة دولارات في أسعار النفط يكلف نيجيريا نحو 500 مليون دولار شهريًّا في عائدات الصادرات المفقودة"([26]).

 وقد يُشَكِّل الفيروس ضربةً أخرى للدول الإفريقية الـ21 التي يُعرّفها صندوق النقد الدولي بأنها كثيفة الاعتماد على تصدير المواد الخام، والتي قال الصندوق في أكتوبر2019: إن نُموّها "يتحرك ببطء" بنحو 2,5%. وكان الاقتصاد الصيني المتباطئ قد ضرب بالفعل التجارة بين إفريقيا والصين، التي نمت بنسبة 2,2 في المائة العام الماضي محققًا 208,7 مليار دولار، مقارنة بارتفاع نسبته 20% قبل عام. وخفض الصندوق الآن توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي النيجيري هذا العام من 2,5% إلى 2% "لتعكس أثر انخفاض أسعار النفط الدولية"([27]).

 وقد تتعرض دول أخرى في القارة لضربات أشد, فبينما تستهلك الصين ما يزيد قليلاً عن 1% من نفط نيجيريا، استحوذ المشترون الصينيون على 95% من صادرات جنوب السودان و61% من صادرات أنجولا في عام 2017م، في شكل النفط الخام، واستحوذت الصين على 58% من خام الزنك والنحاس من إريتريا، وبالنسبة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، كانت النسبة 45%، معظمها في شكل شحنات من الكوبالت.

وبالنسبة لجنوب إفريقيا -ثاني أكبر اقتصاد في القارة-؛ فإن تأثير الفيروس يتضاءل إلى جانب المشاكل المحلية، مثل انقطاع التيار الكهربائي الذي ضرب قطاع التعدين. وقد خفَّضت وكالة "مودي" توقعاتها للنمو الاقتصادي للبلاد هذا العام إلى أقل من 1%؛ بسبب هذه العوامل المحلية ناهيك عن تأثير الفيروس. وقالت شركة "كومبا" الأمريكية -وهي أكبر مُنْتِج لخام الحديد في جنوب إفريقيا-: "إن آثار الفيروس أثرت على إنتاج الشركة لانخفاض الطلب". وقالت شركة فيرست كوانتوم -وهي شركة مناجم نحاس كندية تعمل في زامبيا، ثاني أكبر مُنْتِج للمعادن في إفريقيا-: "إن الفيروس أدى إلى تراجع الإنتاج فيها"([28]).

وأدَّى ضعف طلب الصين على استيراد المواد الخام الإفريقية إلى الضغط على العديد من الاقتصادات الإفريقية الأخرى المعتمدة على تصدير الموارد الطبيعية مثل أنجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا؛ حيث هبطت أسعار خام البترول بنسبة 11% خلال العام الحالي، والنحاس وخام الحديد بنسبة 8% و1,5% على التوالي. وتوجّه جامبيا الواقعة جنوب غرب إفريقيا خُمس صادراتها إلى الصين، وتشتمل على الماس والنحاس.

وقال محافظ البنك الزامبي: "لاحظنا تأثر أسعار النحاس، فتراجُع هذه الأسعار سيؤثر بشكل واضح ومباشر على اقتصادنا، والتداعيات الكاملة لم يتم تقييمها، لكنّها ستكون سلبية بلا شكّ". وبخلاف الأوضاع عندما انتشر وباء سارس في الصين عام 2003م؛ أصبح الاقتصاد الصيني أكثر اندماجًا في العالم، لدرجة أنه يُشكّل نسبة 18% من إجمالي الناتج المحلي العالمي([29])، حيث كان يشكل 5% فقط من الناتج المحلي العالمي.

3- القطاعات غير الاستخراجية

 نجحت الصين في أن تحل محل الولايات المتحدة خلال عقد واحد؛ كأكبر شريك تجاري لإفريقيا. وستتضرر كذلك أسواق التصدير الإفريقية الأصغر حجمًا غير البترولية؛ جراء تراجع إنفاق المستهلكين الصينيين. وقالت "لي لينش" نائب مدير شركة ديفلمبنت رياماجند الاستشارية في بكين:"سيؤدي تراجع إنفاق المستهلكين إلى الإضرار بالبلدان الإفريقية الأخرى التي تحاول بفاعلية تصدير سِلَع غير بترولية إلى الصين، والسلع التي ستتضرر جراء تباطؤ قطاعات الغذاء والمشروبات الصينية؛ تشمل اللحم الناميبي، والقهوة التي تصدّرها دولة رواندا، وفاكهة الأفوكاتو التي تصدرها كينيا، والحمضيات الكينية([30]).

 وقد بدأت الشركات الإفريقية الصغيرة التي تستورد الغذاء أو التكنولوجيا أو الملابس من الصين تشعر بالفعل بآثار الأزمة؛ إذ ظلت الشركات في الشرق الأقصى مغلقة أو فرضت قيود على الأفارقة الذين يسافرون إلى الصين، فلن يوجد بديل للمستوردات الصينية؛ حيث بدأت المبيعات تنخفض بشكل كبير. ويخشى المُصدِّرُون الأفارقة أيضًا من عواقب تفشّي الفيروس.

 الوضع في أوغندا مشابه؛ حوالي ربع واردات أوغندا تأتي من الصين. توقفت عمليات الاستيراد لأسابيع؛ لأن العديد من المصانع الصينية أغلقت الإنتاج. يُواجِه صغار التُّجار الذين يبيعون المنسوجات أو الإلكترونيات أو السلع المنزلية مشكلة. واشتكى رجل الأعمال "عمر كاييرا" من كمبالا من أن العديد من البضائع من الصين لم تَعُد تصل إلى أوغندا. وقال: "إن المورّدين البديلين محدودون للغاية؛ هناك مستوردون هنود، لكنهم لا يملكون المنتجات التي أبيعها. في الوقت الحالي من الصعب جدًّا استبدال الصينيين".

 كما تسيطر السلع الصينية أيضًا على أسواق موزمبيق, ويشعر العديد من التجار بالقلق من أن المنتجات القادمة من الصين ستكون قليلة.

4- أخرى:

 من المستحيل فصل الآثار الاقتصادية عن القضايا السياسية، ففي حين أن التجارة بموجب اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لم تبدأ بعدُ؛ فإن أيّ إغلاق للحدود أو انخفاض كبير في حجم التجارة يمكن أن يدفع طموحات التجارة الحرة، ويَحُدّ من تسارع النموّ الإفريقي على المدى المتوسط. كما يمكن أن يزداد كُرْه الأجانب ضد الأشخاص من أصل شرق آسيوي لصلتهم المتصورة بالفيروس، وهو وَضْع سيتفاقم بسبب ارتفاع البطالة، وسخط الشباب، والتنافس على الموارد النادرة مع تقلص حجم التجارة.

علاوة على ذلك؛ ربما يمكن استثمار الأزمة كفرصة للقادة الحاليين في القارة لتأجيل الانتخابات الوطنية المقرّر إجراؤها في عام 2020م؛ في محاولة لتمديد حكمهم([31]).

خاتمة:

 على الرغم من أن الحالات المعلنة للإصابة بوباء فيروس كورونا المستجد قليلة جدًّا بإفريقيا بالمقارنة بباقي مناطق العالم، إلا أنه يمكن القول: بأن هناك رأيًا يرجّح أن هذا يعود إلى ضعف النظم الصحية بالقارة، لإجراء عمليات الوقاية والفحص والتشخيص، فضلاً عن غياب الشفافية. وهناك رأي يرجح أن ذلك يعود إلى انخفاض احتمالات تفشّي الوفاء في المناطق الحارّة، بالإضافة إلى خبرة الدول الإفريقية في التعامل مع الأوبئة.

 أما من الناحية الاقتصادية؛ فالضرر واقع لا محالة –وقد وقع- على الدول الإفريقية؛ لأن أنظمتها الاقتصادية تعتمد في المقام الأول على تصدير المواد الخام الأولية، سواء كانت تعدينية أو زراعية، كما أنَّ كبار الشركاء التجاريين للقارة الإفريقية هم الأكثر تضررًا جرَّاء الوباء الذي أحدث ركودًا عالميًّا، وأدَّى إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمية المتوقعة، وقد كان الأثر فوريًّا على أسواق المال الإفريقية، وبالِغ التأثير على أسواق مواد الخام؛ النفط والحديد والنحاس باستثناء الذهب. كذلك تضررت الدول التي تعتمد على تصدير المواد الخام الزراعية.

وقد انساق هذا التأثير على قطاعات أخرى كالسياحة والطيران والشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، فضلاً عن اعتماد الدول الإفريقية في تأمين وارداتها على أكثر الدول تضرُّرًا في العالم. وأخيرًا وليس آخرًا تُهدّد الأوبئة بشكل عام وكورونا منها؛ مشروع التكامل الاقتصادي، ومنطقة التجارة الحرة القارية.

 وخلاصة القول: إن القارة الإفريقية ستكون من الخاسرين الكبار، سواء انتشر الوباء فيها، أو لم ينتشر؛ للأسباب المذكورة أعلاه. وشركات الأدوية الدولية هي الرابح الأكبر سواء وُجِّهَتْ لها أصابع الاتهام بالمتاجرة بالمرض أم لا.

وعليه يوصي البحث بما يلي:

-محاولة التواصل مع الصين، التي حقَّقت نجاحات كبيرة في كَبْح الفيروس؛ حيث لم تسجل فيها حالة إصابة واحدة يومي الخميس والجمعة؛ 19-20 مارس 2020م، على الرغم من أن أكبر معدلات الإصابة بها، وهي الموطن الأصلي للوباء، يتم هذا التواصل بشكل دولي أو إقليمي أو قارّيّ.

-تفعيل آليات الإنذار المبكر، والتدخل الفوري، التابعة لمجلس السِّلْم والأمن الإفريقي، وإقامة مراكز متابعة وتنسيق إقليمية.

-تبادل المعلومات على مستوى القارة، ومع كافة دول العالم.

-المطالبة بتدخل فوري مِن قِبَل منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة؛ لإمداد القارة بالخبرات والأموال والمعلومات.

-على الدول الإفريقية أن تستفيد من تجارب الأوبئة التي ضربتها قبل ذلك؛ كالإيدز، والإيبولا، من ناحيتين؛ تطوير البنية التحتية الصحية، وإعادة هيكلة اقتصاداتها؛ بحيث لا تعتمد على تصدير المواد الأولية، ومحاولة إيجاد حلول لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع المستوردة.


[1]) إبراهيم علوش "المؤامرة في التاريخ.. حقيقة أم خيال؟"، المجلة الثقافية للائحة القومي العربي، العدد 42، تشرين الثاني، 2017م، ص ص.1-6. متاح على الرابط: www.qawmi.com › wp-content › uploads › 2017/10

[2] ) عبد الباري عطوان، "الصين تتهم أمريكا "رسميًّا" باختراع فيروس الكورونا، ونشره في مدنها"، رأي اليوم، متاح على الرابط: https://shaamtimes.net

[3]) زايتجايست بالعربية (zeitgeist arabic)، تجارة الأمراض في العالم، متاح على الرابط: TZM-Arabic.com

وانظر أيضًا: أيمن صلاح، "تجارة الوجع": هل تخترع شركات الأدوية الأمراض لتجني المليارات، الوطن 17 أكتوبر 2017م، متاح على الرابط: https://www.elwatannews.com

[4] ) حسين سرمك حسن، إفريقيا تواجه أسوأ أزمة صحية في تاريخ البشرية، متاح على الرابط: http://www.diwanalarab.com

[5]) المرجع السابق.

[6]) منظمة الصحة العالمية، فيروس كورونا أسئلة وأجوبة حول فيروس كورونا المستجد، الموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، منشور في 16 مارس 2020م، متاح على الرابط:

http://www.emro.who.int/ar/health-topics/corona-virus/questions-and-answers.html

[7]) منظمة الصحة العالمية، عن مرض كوفيد -19، الموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، منشور في 16 مارس 2020م، متاح على الرابط: http://www.emro.who.int/ar/health-topics/corona-virus/about-covid-19.html

[8] ) علي صلاح، "عولمة الأوبئة انعكاسات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي"، مركز المستقبل، متاح على الرابط: https://futureuae.com

[9]) علي بهزار، "الأوبئة والنزاعات والكوارث تهدد نُموّ الاقتصاد العالمي"، الشرق، متاح على الرابط: https://al-sharq.com

[10]) لا بد من الإشارة إلى أن الموقع قد ذكر أن تلك البيانات تم تحديثها في 17 مارس 2020م. كما يذكر الباحث أن هناك تغيرًا لحظيًّا ومستمرًّا لتلك البيانات، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك حالات ربما لم يتم الإعلان عنها، أو لم تصل إلى القائمين على جمع البيانات أو وسائل الإعلام، أو تحجبها الدول لأيّ سببٍ من الأسباب. لذا وجب التنويه.

[11](Coronavirus: Africa braces for the economic impact of China slump,at:https://www.theafricareport.com/23971/coronovirus-africa-braces-for-the-economic-impact-of-china-slump

[12] ) BBC ,Coronavirus: Could African countries cope with an outbreak?, At: , https://www.bbc.com/news/world-africa-51403865, 12 March 2020

[13] ) BBC ,Coronavirus: Could African countries cope .Op.cit.

[14] ) Idem.

[15] ) Bukola Adebayo,African countries shut doors against Europe, America to combat coronavirus , CNN, March 17, 2020, at:https://edition.cnn.com/2020/03/16/africa/africa-coronavirus-travel-restrictions-foreigners/index.html

[16] ) Bukola Adebayo. Op.cit.

[17]) سي إن إن، منظمة الصحة العالمية: إفريقيا قد تتضرر أكثر من الصين من فيروس كورونا، متاح على الرابط:

https://arabic.cnn.com/health/video/2020/03/02/v85747-africa-coronavirus-who

[18] ) Bukola Adebayo ,Op.cit.

[19] ) BBC ,Coronavirus: Could African countries cope with an outbreak?.Op.cit.

[20] ) Roonak Gopaldas, Will Africa’s economies buckle under the coronavirus?, 9 Mar 2020, at: https://issafrica.org/iss-today/will-africas-economies-buckle-under-the-coronavirus

[21]) أيمن عزام، بلومبرج: "إفريقيا أكبر ضحايا فيروس كورونا حتى لو لم تظهر إصابة واحدة"، المال، متاح على الرابط: https://almalnews.com

[22]) أخبار اليوم، شبح "كورونا" يطل على إفريقيا من بوابة المعاملات الاقتصادية الصينية، 12 فبراير 2020م، متاح على الرابط: https://m.akhbarelyom.com

[23] ) Roonak Gopaldas,Op.cit.

[24] ) Idem.

[26] ) Neil Munshi in Lagos and Joseph Cotterill African growth set to suffer as coronavirus outbreak cuts demand , Resource-dependent economies hit by weaker Chinese appetite for oil, Financial times, February 18 2020 ,at: https://www.ft.com/content/f5d1d240-524b-11ea-90ad-25e377c0ee1f

[27] Neil Munshi in Lagos and Joseph Cotterill.,Op,cit .

[28] ) Idem

[29]) أيمن عزام، مرجع سبق ذكره.

[30]) المرجع السابق.

[31] ) Roonak Gopaldas, Op.cit .

 

كتاب الموقع