أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الإسلام والمسلمون في جنوب إفريقيا

 

    عادل جعفر مولتشوا (*)

في عام 1910م؛ أعلنت حكومة الاحتلال البريطانية إنشاء دولةٍ موحّدة في جنوب إفريقيا، سُمّيت «اتحاد جنوب إفريقيا» حينئذ، بعد أن كانت دويلات مستقلة منذ بدء الاحتلال الأوروبي، باستثناء مملكتَي سوازِيلَاند ولِيسُوتو اللتَيْن ظلتا مستقلتَيْن، تحيط بهما دولة جنوب إفريقيا من كلّ الجهات.

فكان هذ إعلان ولادة دولة جديدة بحدودها المعروفة اليوم، يُقدّر عدد سكانها بنحو خمسة وخمسين مليون نسمة- حسب آخر الإحصاءات-، نسبةُ المسلمين من ذلك ما بين 2% إلى 3% تقريباً. ويشمل التركيب السكاني: السكان الأصليّين من الأفارقة. والآسيويّين، وأغلبهم الجالية الهندية، فلا غَرْو في أنّ أكبر جالية هندية توجد في جنوب إفريقيا. ثمّ الأوروبيّين، وهُم ذرّيات الجيل المحتل، وأكثرهم عدداً الهولنديون– وقد أطلقوا على أنفسهم اسم: «أفريكانيّون»–، ويليهم الإنجليز، وأكبر تجمّع للأوروبيّين في القارة الإفريقية يوجد في جنوب إفريقيا. وثَمَّة مجموعةٌ أخرى عُرفوا بأنهم: «مُلوَّنون»؛ لكونهم وُلدوا من اختلاط عدة عرقيّات.

 

أول دخول للإسلام في جنوب إفريقيا:

مع أنّ بعض جيران جنوب إفريقيا قد عرفوا العروبة قديماً، بل عُرفت العروبة في شرق إفريقيا بقرونٍ قبل الدعوة الإسلامية، من ساحل الصومال في القرن الإفريقي إلى ساحل موزمبيق، والتي عُرفت بعد دخول الإسلام ببلاد سفالا (سفالَى)، فالملاحظ أنّ هذا الاتصال قد توقّف، ولم يتوغل إلى ما وراء سفالَى من الجنوب، فاستمر الحال على هذا حتى ما بعد وصول الإسلام إلى المنطقة، ما أدّى إلى تأخّر دخول الإسلام لجنوب إفريقيا.

وأول وصولٍ مسجّلٍ للمسلمين، في تاريخ هذه البلاد، كان بعد استقرار الهولنديّين في منطقة كيب تاون غرب البلاد في ق17م، بإشراف الشركة الشرقية الهولندية الهندية وقيادتها، والتي اتخذت في كيب تاون محطة لسُفُنها التي كانت تتاجر بين هولندا والهند، ثمّ لمّا احتلت هولندا إندونيسيا واجهت مقاومةً من المسلمين هناك، وقد سجنوا أربعة مقاومين بتهمة إثارة الشعب ضدّ الحكومة الهولندية، فحكمت عليهم المحكمة العليا في باتافيه (جزيرة جاوا في إندونيسيا حاليّاً) بالتغريب والجلاء؛ فنُفي ثلاثةٌ منهم إلى موريشيوس، وواحدٌ إلى جنوب إفريقيا في كيب تاون أسيراً سياسيّاً، فلعلّ هذا هو أول مُسلِم له دخولٌ مسجّلٌ في تاريخ جنوب إفريقيا(1).

ثم تتابع دخول المسلمين إلى جنوب إفريقيا رويداً رويداً، وجلّ مَن جاء من هذا الجيل كانوا أسرَى سياسيّين معتقَلين، وكانوا ممنوعين من إظهار دينهم أو دَعْوَة الآخرين إليه، ومن ثَمّ لم يكن للإسلام ظهورٌ أو تأثيرٌ يُذكر حتى أواخر ق17م.

وفي سنة 1694م؛ بعد وصول الشيخ عابدين يوسف، ومَن معه من أفراد عائلته وأصحابه، وكان هذا الشيخ من أسرةٍ ذات حَسَب وشَرَف في جاوا بإندونيسيا، ولهذا لم يُسجن، وإنما عُيِّن له مكانٌ يستقرّ فيه حرّاً هو ومن معه في زَندَفِلِيت، إذ كان يكفي في نظر الهولنديّين نفيه من وطنه الذي كان يهدّد حكمهم فيه، ومع ذلك ظلّ تحت مراقبتهم. ومن هنا بدأت النشأة الأولى لمجتمعٍ إسلاميٍّ في جنوب إفريقيا.

 ويمكن إطلاق «المَوْج الأول»: على مَن دخل في جنوب إفريقيا من المسلمين، في الفترة التي كانت هولندا تحكم فيها كيب تاون، إلى أن غلبها الاحتلال البريطاني.

ولمّا احتل الإنجليز «كيب تاون» في غرب البلاد، ومنطقة «ناتال» في شرق البلاد في ق19م، وكانت في الوقت نفسه تحتل شبه القارة الهندية، جلبوا عمّالاً أحراراً ذوي خبرة في زراعة قصب السكر إلى ناتال، وكان في أولئك العمّال مسلمون، وفي هذه الفترة تتابعت الهجرات من الهند إلى منطقة ناتال بجنوب إفريقيا، حتى أصبح هنالك مجموعةٌ من المسلمين، وأكثرهم كانوا قد أخذوا الخروج النهائي من الهند على أنهم لن يُسمح لهم بالرجوع، فاستوطنوا في مهجرهم الجديد.

وتُعدّ مجموعة ناتال «المَوْج الثاني»: لدخول المسلمين في جنوب إفريقيا؛ إذ كانت الأولى من ناحية الغرب، وهذه من ناحية الشرق، ثمّ تتابعت هجرات المسلمين إلى جنوب إفريقيا من بلادٍ شتّى عبر القرون، من القارة الإفريقية وغيرها، فاستقرّ أمرُ المسلمين في البلاد، وصار لهم وجودٌ ملاحظ.

وهناك «المَوْج الثالث» من المسلمين: وَهُم المسلمون الأفارقة الذين جاؤوا من زنجبار عبيداً من طريق الإنجليز، فاشتهروا بأنهم «زنجباريون»، واستقروا في دربان مع الهنود. وفي أيام حكومة التمييز العنصري لم يُضمّوا إلى السكان الأفارقة، وإنما وُضِعوا في صنفٍ جديدٍ، وهو «الآسيويون الآخرون»، فصاروا صنفاً بين السُّود والهنود، ولكن عند تدقيق النظر؛ يتضح أنّ هناك خطأً تاريخيّاً فاحشاً، ذلك أنهم ليسوا من قبائل زنجبار، وإنما ينتمون إلى إحدى قبائل «سفالَى» (موزمبيق)، وهي قبيلة «مَكُوَا»، وهي قبيلة مسلمة عريقة، تأثّرت لغتها باللغة العربية إلى حدٍّ كبير.

 

توزّع المسلمين ووضعهم الاقتصادي:

وعلى مرّ الزمان؛ انتشر المسلمون الوافدون، وتوغّلوا داخل البلاد بعيداً من المناطق الساحلية التي كانت مراساهم عند الوصول الأول، وبقي هناك مَن بقي، وكان من دواعي هذا التنقل الداخليّ طلب الرزق وفضل الله تعالى، بالبحث عن الوظيفة، وعن أراضٍ للسكن، ما أدّى إلى انتشار مجتمعات المسلمين في مدنٍ كثيرة.

وفي الحاضر؛ انتشر المسلمون في كلّ المدن الكبيرة والمتوسطة، وبعض المدن الصغيرة، وعلى الأقلّ يوجد لهم مَسْجِدٌ واحدٌ فيها، وما زالت مدينة كيب تاون تضمّ أكبرَ عددٍ للمسلمين منذ البداية، تليها أختها في الشرق: مدينة دربان في كوازواز ناتال.

كان أغلب المسلمين، الذين وصلوا إلى جنوب إفريقيا من جهة كيب تاون، من شرق جنوب آسيا، ووصلوا إمّا أسارى وإمّا عبيداً، وصاروا أهل الحرف والمهن التي توارثوها منذ أيام رقّهم؛ وما زالوا يتوارثونها جيلاً بعد جيل، ومع ما يملكون من هذه المهارات فإنّهم لم يميلوا إلى إنشاء الشركات أو تجارة الخدمات إلا القليل جدّاً، واقتصروا على كونهم قوى عاملة، يقدّمون خبراتهم بالعمل في الشركات الخاصّة والحكومية.

 أما المسلمون الذين وصلوا من جهة دربان في ناتال، وهم «الموج الثاني»، وكان أكثرهم أحراراً، إمّا عمّالاً وإمّا تجّاراً، فقد برعوا في التجارة، وأكثر تجاراتهم «أُسَرية» أي «وراثية» جيلاً بعد جيل، وأصبحوا أصحاب شركات كبيرة؛ فبهذا صارت «الهيمنة الدينية» لهم في البلاد؛ بما يملكون من الإمكانيّات المادية، فَهُم الذين ينفقون كثيراً على المشروعات الدينية والمؤسّسات الإسلامية، لذلك قلّما تتّجه المؤسّسات الإسلامية بجنوب إفريقيا لطلب المعونات والتبرعات من الخارج.

واعترافاً بقوة المسلمين الاقتصادية؛ بدأت كثيرٌ من البنوك تقدّم الخدمات المالية الإسلامية؛ مثل المرابحة أو المضاربة، في شراء العقارات أو السيارات أو في القروض، وتوجد كذلك بنوك يملكها المسلمون، مثل: بنك البركة، وبنك HBZ، وحبيب بنك.

 

المسلمون مع المجتمع العام:

ونتيجةً لنظام حكومة التمييز العنصري في إسكان النّاس حسب المجموعات العِرْقية، تشتّتت الأسر، وضاعت الأموال، وكسدت التجارة؛ وذلك بدعوى أنّ اللهَ خَلَقَ النّاس مختلفين في اللون واللغة والتقاليد، فتحتّم التمييز بينهم، ومع أنّ حكومة التمييز العنصري قد سقطت وزالت، وجاءت حكومة الاتحاد الوطني مكانها، في العهد الجديد منذ عام 1994م، فإنّ بقايا التمييز العنصري وتراثه قد استعصت إزالتها على الرّغم من مُضي أكثر من عشرين سنة.

ولم يكن للمسلمين عَاصِمٌ من هذا الواقع الاجتماعي، فتمزّقت مجتمعاتهم كذلك في كلّ نواحي البلاد، ومن ثمّ أصبح هناك المسلمون الهنود في مساكن الهنود، والمسلمون الملوّنون في مساكن الملوّنين، والمسلمون السُّود في مساكن الأفارقة، وهي مساكن كبيرة، إلا أنّ انتشار الإسلام فيها قليلٌ جدّاً، ولكن على الرغم من ذلك استطاع المسلمون تحقيق التعايش السّلمي مع بني عِرْقيّاتهم في تلك المعازل العِرْقية، واستمروا عليه حتى بعد العهد الجديد إلى الوقت الحاضر، ولهذا يتمتعون بمكانةٍ واحترامٍ في كثيرٍ من هذه المجتمعات.

ويهدّد هذا التعايش السّلمي، بين المسلمين والكفار، ما عُرف حديثاً بظاهرة «الإسلامفوبيا» (العداء ضدّ الإسلام)، التي ينشرها الغرب، فإنها تشعل نيران العداوة والتهمة ضدّ المسلمين.

 

الوضع السياسي:

منذ دخول المسلمين البلاد وَهُم في معايشةٍ مسالمةٍ للآخرين، لذلك لم يتعرضوا لأذًى يُذكر، حتى الحكومة لم تتخذ موقفاً معادياً للإسلام، لا في السابق ولا في الحاضر، علماً أنّ الحكومات التي عاصرت دخول المسلمين لجنوب إفريقيا كانت نصرانية، وكانت النصرانية هي الدين الرّسمي للدولة.

ولقد كان للمسلمين دَوْرٌ بارزٌ في مناهضة جريمة الفصل العنصري، على مستوى الكيانات أو الأفراد، فمجلس القضاء الإسلامي، الذي جاءت نشأته مبكرة عام 1945م في كيب تاون، ويمثّل المسلمين فيها وفيما حولها من المدن، كان له نضاله المعروف في مرحلة التحرّر من نظام الفصل العنصري، ومعارضة حكومة الفصل العنصري التي حكمت جنوب إفريقيا سابقاً، الأمر الذي انعكس على الثقل النسبيّ للمكوّن الإسلامي، ولا سيما الهنود، في أول تشكيلٍ حكوميٍّ في أعقاب التحوّل الديمقراطي في جنوب إفريقيا عام 1994م، حيث ضمّت الوزارة أكثر من أربعة وزراء من المسلمين، وكان هناك نحو عشرة سَفَراء منهم في الخارج، كما تمّ إقرار بعض تشريعات الأحوال الشخصية الخاصّة بالمسلمين والمستمدة من الشريعة الإسلامية.

وعلى صعيد القضايا الإقليمية والدولية؛ يحظَى المسلمون في جنوب إفريقيا بحسٍّ سياسيٍّ كبير، ومشاركةٍ فاعلةٍ ومدروسة، ومن ذلك دَوْرهم المؤثّر في «قمّة الأرض»، بالتصدّي لمشاركة إسرائيل فيها، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة للخروج تضامناً مع إسرائيل، فقد استطاع المسلمون، بالتعاون مع الجمعيات المناوئة للتمييز العنصري، تنظيم التظاهرات المناهضة لإسرائيل وأمريكا، والمؤيدة للقضية الفلسطينية في أثناء القمّة.

ومثل هذا الموقف اتخذته الجالية الإسلامية ضدّ قانون مكافحة الإرهاب، حيث أكدت العديد من المنظمات الإسلامية رفضها للقانون، ورأت مثل هذه التشريعات ليست فقط «غير ضرورية»؛ بل إنها تهدّد الحريات الأساسية التي ناضل من أجلها مناهضو نظام الفصل العنصري طويلاً، وأنها خضوعٌ كاملٌ للضغوط الأمريكية(2).

ومن العلماء الذين وقفوا في وجه الفصل العنصري الإمام عبد الله هارون(3)، حيث استخدم «رابطة الشباب المسلم» لدعوة الأفراد والشخصيات العامّة المناهضة لـ«الأبارتهيد»، وهو ما ساهم في أن يُصدر في 1961م كُتيّباً بعنوان (الدعوة إلى الإسلام)، يتضمّن معارضة العنف في جنوب إفريقيا.

ولم يقتصر، في نشر أفكاره الإصلاحية، على جريدة «أخبار المسلمين» الشهرية، فقد استخدم خطب الجمعة والمحاضرات العامّة، خلال الخمسينيّات والستينيّات، واستطاع أن يوجّه عبرها النقدَ اللاذعَ لقوانين الفصل العنصري وسياساته المطبقة في بلاده.

وحينما نظّم المؤتمر الإفريقي الجامع مسيرته الحاشدة، عام 1960م في كيب تاون، أكّد الإمام في خطبة الجمعة مفهوم «الأخوة الإنسانية» في الإسلام، ودَوْر المسلمين الوطني، حيث دَعَا أتباعه ومريديه إلى ضرورة مساندة إخوانهم الأفارقة الذين كانوا أكثر الفئات معاناة في ظلّ نظام الفصل العنصري.

وفي مايو1961م، في أثناء اجتماعٍ عامٍّ في مدينة الكاب، انتقد الإمامُ قوانين مناطق الفصل العنصري، ووصفها بأنها غير إنسانية وغير إسلامية: «هذه القوانين تبتعد تماماً عن مبادئ الإسلام الأساسية، وأنها صُمّمت لإعاقة مسيرتنا السياسية والاقتصادية والتعليمية، إننا لا يمكن أن نقبل هذا النمط من أنماط العبودية»(4).

كذلك الدكتور فريد إسحاق(5) و «حركة الإسلام التقدّمي»، فمن خلال عمله النضالي في جنوب إفريقيا ضدّ سياسة الفصل العنصري طالب بالاجتهاد؛ للتركيز في مسؤولية المسلمين في العمل ضدّ كلّ أنواع الظلم الاجتماعي، ويعكس إسحاق خبرة النضال الوطني متعدّد الثقافات والأديان؛ في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وفي هذا المقام؛ جديرٌ بالذكر أنّ هناك من المسلمين مَن كان لهم مساهمةٌ كبيرةٌ في النضال السياسي ضدّ التمييز العنصري، وقد سُجن بعضهم مع مانديلا في جزيرة روبان، منهم: أحمد كثرادا، وعزيز بهاد، وأحمد تمول، ويوسف دادو.. وغيرهم كثير، وقد سمّيت بعض الشوارع العامّة بأسمائهم؛ إكراماً واعترافاً بدَوْرهم السياسي في تحرير البلاد من التمييز العنصري البغيض.

وقد قاومت حكومة العهد الجديد– بعد سقوط حكومة التمييز العنصري- المحاولات العالمية لإقناعها بالتضييق على الإسلام والمسلمين، فبذلت ما في وُسعها في عدم التمييز بين مواطنيها بحسب الانتماء الديني. وقد حاولت الأيدي الخبيثة- مؤخّراً- إثارة القلق في الدولة بالوشايات، وتشويه صورة الإسلام وسُمعة المسلمين، مستغلين ظهور الغلوّ والعنف في بعض أوساط المسلمين في العالم الإسلامي، وعلى الرغم من ذلك تمسّكت الحكومة بموقفها، وأصرّت على وزن الأمور بموازينها، ومعالجة كلّ مسألة بحقائقها، بناءً على دستور الدولة، الذي يضمن للجميع الحرية الدينة، والتي تسمح لأيّ فردٍ ومواطنٍ بإظهار ممارسة دينه، ونشره والدعوة إليه.

وقد استفاد بعضُ المسلمين من هذه الأجواء السياسية؛ فمارسوا النشاط السياسي، من خلال الانضمام إلى الأحزاب السياسية، أو إنشاء أحزاب سياسية مستقلة. وفي انتخابات الرئاسة الأخيرة لوحظ أنه كان من ضمن الأحزاب السياسية المشاركة حزب باسم «الجماعة»، وكان من شعاراته الانتخابية: «السعي إلى إحياء المبادئ الإسلامية»، وطبعاً لم يعد حزب «الجماعة»، ولن يستطيع أيّ حزبٍ دينيٍّ الإعلان أو الوعد بتطبيق شريعة دينهم في حكم الدولة؛ لأنّ ذلك في الحقيقة يُعدّ انقلاباً سياسيّاً على الدولة التي يحكمها دستورٌ وضعي لا ديني.

وحاليّاً؛ ليس هناك حزبٌ سياسيٌّ للمسلمين في البرلمان الوطني، ولا في المجالس التشريعية الإقليمية في الولايات، ولكن انضم بعض المسلمين إلى الأحزاب السياسية الأخرى، وانتُخِب بعضهم في مناصب بالبرلمان الوطني والإقليمي، وتقلّد بعض المسلمين عدداً من الوزارات في الحكومة الوطنية، كما انتُخبوا أعضاء في البرلمان، غير بعض مَن يتقلّدون مناصب في الحكومات الإقليمية أو الإدارات البلدية.

 

الوضع الديني:

المسلمون في جنوب إفريقيا، من الناحية الدينية، ليسوا منفصلين عن واقع العالم الإسلامي، فمسلمو جنوب إفريقيا لهم اتجاهات شتى، أغلبها متوارث من بلادهم الأصلية، واستمروا متمسّكين بها إلى يومنا هذا.

ولعلّ من أبرزها وأكثرها شيوعاً ما يأتي:

أ- الصوفية:

جاءت الصوفية مع الموجات الأولى من المسلمين، وكانوا من أتباع «الطريقة القادرية»(6) غالباً، وممّا اشتهروا به: عملية إدخال السكاكين وقطع أنفسهم بها من دون أن يُرى لذلك أثرٌ أو جرح، ويسمّون هذه العملية: «راتب» أو «رتيب»، وعملية أخرى تسمّى: «الحداد»، حيث ينشدون أورادهم ويتمايلون، هذا غير تعظيمهم للقبور، وبخاصّة قبور الشيوخ الأوائل الذين كانوا في «الموج الأول» لدخول المسلمين جنوب إفريقيا، ويعتكفون عندها لأيام، وخاصّة في الأيام المصادفة لعيد الصليب النصراني.

وهناك أتباع «الديوبندية الصوفية»، وقرينتها «البريلوية»، دخلت كلتاهما جنوب إفريقيا عن طريق مَن جاء من شبه القارة الهندية في «الموج الثاني»، وبينهما مشاحنةٌ وعداوةٌ وبغضاءُ تاريخية.

«الديوبندية»: منسوبة إلى مدرسة دار العلوم في ديوبند بالهند، ويُعدّ شيوخ هذه المدرسة هُم المؤسّسون للفرقة الديوبندية، يقول أحد زعماء هذه الفرقة في جنوب إفريقيا: «كثيرٌ من شبابنا يظنّون بأنّ الديوبندية مجرد قرية في الهند أو مدرسة دينية، لا، ليس الأمر كذلك، فإنّ الديوبندية منهجٌ نسلكه في فَهْم الدين كما تلقيناه من أكابرنا»(7).

أما «البَريلويّة»: فَهُم أتباع «أحمد رضا» من الهند، وَهُم أشدُّ غلوّاً في صوفيتهم من الديوبندية، فعبادة القبور والاستغاثة بأصحابها والتضرّع إليهم بالدعاء- الذي هو حقّ الله تعالى- تُعدّ عندهم ركناً من أركان إيمانهم. وقد تجدّد نشاطهم في الوقت الحاضر، فَلَهُم قنواتٌ فضائية تبثّ ضلالهم، ويُنشؤون المراكز الدعوية والمساجد ويسمّونها: «فيضان رضا»، كما أنّ لهم برامج خيرية: من الإطعام والكسوة والمنح الدراسية.. وغيرها كثير.

ولأنّ الهيمنة الدينية- سبقت الإشارة إليها- متركّزة في الديوبندية والبريلوية؛ فقد أسّسا مجلساً باسم: «مجلس اتحاد علماء جنوب إفريقيا»، وجعلوا كلّ جمعيات «علمائهم» أعضاء بهذا المجلس الاتحادي، ولكن السيادة فيه للديوبندية.

«الجماعة الغولانية»: وقد دخل البلاد حديثاً جماعةٌ صوفيةٌ أخرى من تركيا، يُطلق عليهم: «الجماعة الغولانية»، نسبةً إلى رئيسهم «فتح الله غولان» المقيم في أمريكا، فأول ما بدؤوا به عند وصولهم: إنشاء المعاهد المهنية والمدارس النظامية الخاصّة؛ فاغترّ بهم كثيرٌ من السذّج من المسلمين، وقد بنوا أكبر جامع في جنوب القارة الإفريقية في جوهانسبرغ، وسمّوه «مَسْجِد النظامية».

«الطريقة التيجانية»: وفي الآونة الأخيرة؛ انتشرت ظاهرةٌ جديدةٌ وسط المسلمين من الأهالي الأصليّين، وهي الانضمام لـ«الطريقة التيجانية» الصوفية، بحجّة أنها صوفيةٌ إفريقيةٌ فتناسب الأفارقة، ولا شك في أن هذا ردّ فعلٍ لمقاومة الهيمنة الدينية لكلٍّ من الديوبندية والبريلوية ذواتي الأصل الهندي، وأنّ الطابع الهندي يستوحشه الطابع الإفريقي، ولا يخفى ما في هذا من بقايا الجاهلية؛ من وزن الدين والحقّ بميزان العنصرية، وإنما يوزن الحقّ بكتاب الله وسنّة رَسُوله صلى الله عليه وسلم.

ب- الشيعة:

أصبح للشيعة نشاطٌ كبيرٌ في الآونة الأخيرة، بإشراف جمعية أهل البيت في جنوب إفريقيا (AFOSA)، كما يُلاحظ تزايد مراكزهم (الحسينيّات)، خصوصاً في المدن الكبيرة، كما في «دربان» في حي أتاوا، وكيب تاون، وقد استغلوا وسائل شتّي لنشر مذهبهم، منها: المنح الدراسية للدراسات العليا في الجامعات الإيرانية، وقد عُقدت اتفاقيات متنوعة بين جنوب إفريقيا وإيران، وهذا سيفتح الأبواب على مصاريعها لبثّ التشيّع تحت واجهة الدّعم الثقافي، وتركّزت جهود الشيعة في دعوة الأهالي الأصليّين، وبخاصّة شريحة الشباب المثقّفة.

ويلاحظ أنّ بعض دعاة الشيعة في البلاد اتخذوا الصوفية ذريعةً لنشر الفكر الشّيعي بين العامّة من حيث لا يشعرون، باستغلال التشابه بين عقائد الصوفية والشيعة، من تعظيم القبور، والغلوّ في أئمتهم، ودعاء الأموات، وغيرها من العقائد الهدّامة الضّالة.

المؤسّسات والهيئات:

توجد في جنوب إفريقيا مؤسّساتٌ وهيئاتٌ دينية، تخدم مجالات مختلفة للمسلمين، وللناس كافّة من حين آخر، وليس هناك رابطٌ يربط مؤسّسات المسلمين، أو مجلسٌ عامٌّ تندرج تحته تلك المؤسّسات، فكلّ مؤسّسة للمسلمين، في الدعوة أو التعليم أو العمل الخيري في جنوب إفريقيا، تخدم– بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر– معتقداتها ومنهجها كقاعدة أساسية.

ولنذكر بعض أبرز هذه المؤسّسات، والمجالات التي تعمل فيها:

الاسم

الاتجاه المذهبي

المجال

SANHA

هيئة الحلال الوطنية بجنوب إفريقيا

ديوبندي/ حنفي

مراقبة التزام شركات الإنتاج والمطاعم بضواط الحلال، وقد أصبحت أكثر نفوذاً من منافسيها، واكتسبت ثقةً العامّة المسلمين.

جمعية العلماء بجنوب إفريقيا

ديوبندي/ حنفي

في أول إنشائها عام 1923م كانت في ولاية ترانسفال، أصبحت الآن خوتانج، ومقرّها جوهانسبرج، وليس من المبالغة القول بأنّ هذه الجمعية لها نفوذٌ وهيمنةٌ أكبر من منافيسها.

مجلس المسلمين للقضاء

أشعري صوفي/ شافعي

أُنشئ في كيب تاون عام 1945م، لخدمة المسلمين في المنطقة، وليكون صوتاً وممثلاً لهم في المنطقة الغربية.

جمعية العلماء السنّية

بريلوية/ حنفي

أُسّست لخدمة البريلوية، عام 1979م، في دربان.

وقف الواقفين

خيري

يُعدّ أكبر مؤسّسة خيرية بجنوب إفريقيا، ولهم نشاطٌ دولي، ويحظى باعتراف كبيرٍ من الحكومة. يذكر مؤسّسها «امتياز سليمان»، الذي ترك ممارسة الطب للتفرغ لها، أنه أنشأها بأمر شيخ صوفيّ قابله في إحدى رحلاته في تركيا.

 

 

 

التعليم الديني:

مَن يدخل جنوب إفريقيا يُذهل ممّا يرى من كثرة المراكز التعليمية والمعاهد الدينية الفاخرة المليئة بالطلاب الوافدين من أنحاء العالم. وكما اتضح آنفاً: أنّ كلّ الأنشطة الدينية في جنوب إفريقيا تمشي على الخطوط الطائفية المذهبية، وكذلك المراكز التعليمية الدينية، وقد اشتهرت مراكز التعليم العالي باسم «دُور العلوم»، وهي بمنزلة الكليات الشرعية في العالم الإسلامي العربي، وبرنامج التعليم في هذه المراكز ليس معترفاً به عند وزارة التعليم العالي، وهي تعمل بوصفها مراكز ثقافية دينية.

برامج التعليم في دُور العلوم تشمل: تحفيظ القرآن الكريم واللغة العربية والدراسات الشرعية، ويستغرق برنامج تعلّم اللغة العربية والدراسات الشرعية معاً: ست سنوات في الغالب. إلا أنّ اللغة العربية لا تحظى بالاهتمام اللائق بها؛ بوصفها لغة الدين الإسلامي الجامعة للمسلمين الناطقين بلغات مختلفة، وذلك لأنّ دُور العلوم هذه قد أعطت اهتماماً عجيباً للغة الأردو من الهند، ويرجع ذلك إلى أنّ أكابر مذاهبهم من الهند يكتبون بالأردو، بل قد صرّح بعض مَن استضيف من الهند، «ضيف شرف» في إحدى حفلات التخرّج، بأنه لا ينبغي الاهتمام باللغة العربية كثيراً؛ لأنها تُعرِّض شبابهم للأفكار الوهابية! وزعم أحدهم– وهو مدير أحد هذه الدُّور– بأنّ العلم الدينيّ فيما دوِّن وصنّف بلغة الأردو. لذلك قلّما يوجد خرّيج فيها يتقن العربية ويعتزّ بها أكثر من اللغة الأردية، بل هناك مَن يزعم بأنّ الأردو والفارسية لغتان إسلاميتان بجانب اللغة العربية.

وبسبب هذا؛ فإنّ التعليم الدينيّ في جنوب إفريقيا يتّصف بالتعصّب المذهبي والعنصري إلى حدٍّ ما، مما يعود على فَهْم الدين الإسلامي بالتشوّه، واتساع أسباب التفرّق، وإن لم يظهر لأول وهلة، ولا عجب في أن يوجد ضعفٌ شديدٌ في المستوى الديني العِلْمي في جنوب إفريقيا.

ومن أشهر هذه المعاهد في جنوب إفريقيا:

الاسم

الاتجاه المذهبي

المكان

دار العلوم نيكاسل

ديوبندية/ حنفية/ شافعية

مدينة نيوكاسل. وهي من أقدم المعاهد الدينية

دار العلوم آزدفيل

ديوبندية/ حنفية

غرب مدينة جوهانسبرج

دار العلوم زكريا

ديوبندية/ حنفية

جنوب مدينة جوهانسبرج

دار العلوم اسبنجو بيش

ديوبندية/ حنفية

مدينة دربان

دار العلوم بريتوريا

بريلوية/ حنفية

غرب مدينة بريتوريا

 

 

الإعلام:

أنشا المسلمون في جنوب إفريقيا قنوات فضائية وإذاعية، تبثّ على مدار الساعة، ومن أبرزها:

 

الاسم

المكان

قنوات أي تي في (ITV) الفضائية

بالاشتراك

إذاعة سي أي أي (Cii)

مدينة جوهانسبرج

إذاعة إسلام

مدينة جوهانسبرج

إذاعة 786

مدينة كيب تاون

إذاعة الأنصار

مدينة دربان

 

 

الدعوة الإسلامية:

عند وصول المسلمين الأول إلى جنوب إفريقيا نظر الأهالي الأصليّون إلى الإسلام بوصفه ثقافة قَوْم وافدين لا تهمّهم في شيء، كما كان حالهم مع كلّ دينٍ جديدٍ وافدٍ إليهم، ولذلك فقد انتشر بين الأهالي الأصليّين أنّ الإسلام دين الهنود أو الملايو لزمنٍ طويل، وازداد الأمر تعقّداً وحيرةً لمّا قررت حكومة التمييز العنصري إسكان النّاس حسب عِرْقياتهم فسدَّت باب الاحتكاك، ما أدى إلى استقرار هذه النظرية. ولمّا كثرت الجالية المسلمة المهاجرة من دول إفريقية أخرى إلى جنوب إفريقيا، أخذ هذا التصوّر الخاطئ يتغيّر شيئاً فشيئاً؛ لمّا رأوا بني جلدتهم من القارة قد ترسّخ الإسلام فيهم.

ومما ينبغي الانتباه إليه، أنّ من نَظَرَ إلى تقاليد الأهالي الأصليّين القومية يُفاجأ بوجود تشابهٍ عجيبٍ بينها والتعاليم الإسلامية، الأمر الذي يُثبت وصول الإسلام من قبلُ إلى القوم، وأنّ هذه التقاليد في الحقيقة هي من بقايا الإسلام، ولمّا اطلّع أحد كبار الكفار على هذه الحقيقة؛ أقرَّ بأنّ مَن أراد الرجوع إلى ملّة آبائهم الأقدمين فليُسلِموا.

 ومن هذه التقاليد المحليّة المشابهة لتعاليم الإسلام:

- التيامن: في الأكل والشّرب والأخذ والعطاء والمصافحة، ويستقبحون استخدام اليسرى في هذه الأمور، بل ينكرون استخدامها أشدّ الإنكار، ويرون ذلك من سوء الأدب وقلّة الاحترام، وخصوصاً إذا صدرت من صغير إلى كبير، ويسمّون اليد اليسرى «يد القرود»، فلا يليق بالإنسان مشابهة الحيوان.

- تحريم الزنا، فما كانوا يسمحون للزناة بالعيش معهم، لذلك كان عقاب الزنا عندهم: الإعدام للمُحصَن وغير المُحصَن، وينسبون مولود الزنا إلى أمّه لا إلى أبيه، وهم حريصون على حفظ الأنساب.

- النهي عن المشي في نَعْلٍ واحدة: كما هو الحال في الإسلام، لحديث رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً» رواه البخاري وغيره.

وغير هذه كثيرة جدّاً، ويوجد هذا التشابه عند كلّ قبائل الأفارقة في جنوب إفريقيا، ولا شك في أنّ هذا الوضع أرضٌ خصبة لزرع بذور الدعوة الإسلامية.

ويلاحظ أنّ كثيراً من الجمعيات الدعوية بدأت تتلاشى عن الساحة، ولم تبق إلا مؤسّساتٌ معدودة، مثل المركز العالمي لتبليغ الإسلام (IPCI) لمؤسّسها أحمد ديدات، مع أنّ دعوتها كانت تتركز في الطائفة النصرانية، وقد فقدت حيويتها بعد وفاة مؤسّسها– غفر اللهُ له.

وقد أُنشئت جمعيات دعوية أخرى خلال الأعوام العشرين الماضية، تستهدف الأهالي الأصليّين في نشاطها الدعوي، ويلاحظ أنّ الطابع الغالب على العمل الدعوي لهذه الجمعيات: الاقتصار على صنفٍ واحدٍ من الكفار، ألا وهم النصارى، بانغماسهم في مقارنة الأديان، ومن ثَمّ بقي الكثير من الكفار في تيهٍ من أمرهم فيما يتعلق بالإسلام، فكلّما تتم دعوتهم إلى محاضرةٍ إسلامية يتم إغراقهم في كمٍّ كبير من أخطاء كتابهم المقدس والتناقضات و... إلا أنهم يخرجون وهم ما زالوا جاهلين بحقيقة الإسلام وما يدعو إليه من التوحيد والمبادئ الكريمة، بل حاقدين عليه بما وُجِهُوا به من فضيحةٍ وخزي، فيتعصبون لباطلهم بغياً بغير علم، وهذا هو الواقع المجرّب في السّاحة، وهنا تتجلّى حكمة الله تعالى حينما قال: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، كما يتحتّم التزام الكيفية الدعوية التي رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].

ومن أبرز أسباب اعتناق الإسلام: بساطة الرسالة الإسلامية على العقول وسهولة فهمها، وإعجابهم بما يدعو إليه الإسلام من مكارم الأخلاق، والتشابه الموجود بين التعاليم الإسلامية وبعض ما عندهم من تقاليد، وبعض التجارب الشخصية التي قد يمرّ بها الإنسان في طريقه إلى الهداية.

وفي الآونة الأخيرة؛ سقطت الكثير من الشبهات التي كانت تحول بين النّاس والإسلام، إلا أنه نشأ في مكانها شبهاتٌ أخرى، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: 25]، مثل: دعوى أنّ في الإسلام أحكاماً يصعب تطبيقها، والتأثّر بما يُذاع عبر الإعلام ممّا يشوه صورة الإسلام، والجهل هو أصل أغلب هذه الشبهات الحائلة بين النّاس ورجوعهم إلى فطرتهم؛ ما يحتّم على الداعية دراسة الواقع قبل تبليغ الرسالة الإسلامية.

 

التحدّيات أمام مسلمي جنوب إفريقيا:

من أبرز التحدّيات والمشكلات لدى مسلمي جنوب إفريقيا، ما يأتي:

أ- الغزو الثقافي الغربي: تُعدّ دولة جنوب إفريقيا دولة أوروبية في إفريقيا دون مبالغة، فالطابع الغالب فيها طابع المدنية الغربية، التي تفرض الأساليب والوسائل المادّية بصرف النظر عن شرعيتها أو إنسانيتها، هذا الوضع يشكّل تهديداً ثقافيّاً على المسلمين، من تدمير الهوية الإسلامية ومبادئها، واستبدال المبادئ الغربية بها، وفي الوقت نفسه يعوق العمل الدعوي تجاه الأهالي الأصليّين؛ إذ يُبعدهم عن تقاليدهم الأصلية القريبة من التعاليم الإسلامية جدّاً، فبعد التغريب يصعب دعوتهم إلى الإسلام.

ب- الخلط بين المأثور الديني والموروث الثقافي: لا بد من الاعتراف بأنّ المسلمين الوافدين إلى جنوب إفريقيا، قديماً وحديثاً، قد حملوا معهم عاداتهم وأعرافهم من بلدانهم الأصلية، فعجزوا عن التمييز بين ما هو ديني يُطلب الالتزام بها، وما هو عُرفي لا ضررَ في تركه، ولعلّ هذا يرجع إلى ما تمّت الإشارة إليه من ضعف التعليم الديني، وتصدّر غير أكفاء في توجيه مجتمع المسلمين.

ج- الانتماء العِرْقي، والتعامل على أساس طبقي قَبَلي: تأثّر المسلمون بنظام التمييز العنصري، فغلب الانتماء العِرْقي على كثيرٍ منهم، إلى جانب ما توارثوه من الانتماء المتعصّب من بلدانهم، فلا يُستغرب في هذه الأيام أن يُقال: هذا مَسْجِد الهنود أو الصوماليّين أو الأوغانديّين، والشيء نفسه فيما يتعلق بالتزاوج، ويوجد- مثلاً- في بعض المدن: مسلمون يصلّون العيد في جماعتَيْن متجاورتَيْن، بينهما شارع فقط، تصلي كلّ منهما مع أهل عِرْقها، وإلى الله المشتكى!

 

الخاتمة:

يمكن تلخيص أهمّ ما توصّلت إليه الدراسة فيما يأتي:

- يرجع تاريخ وصول الإسلام والمسلمين إلى هذه البلاد إلى أكثر من ثلاثمائة سنة؛ عند التحقيق.

- يتمتع مسلمو جنوب إفريقيا بوضعٍ نادرٍ للأقليات المسلمة في العالم، حيث تجمّع في حقّهم كلّ العناصر التي تضمن– بعد الله تعالى– البيئة الخصبة لممارسة الإسلام ونشره، وهي: الضمان السياسي والإمكانية الاقتصادية والبيئة الاجتماعية، فيجب استغلال هذه الفرصة لصالحهم.

- يحتاج مسلمو جنوب إفريقيا إلى دعاة وقيادات أكفاء، مؤهلين بالمنهج الصحيح والعقيدة السليمة، وإلى مراكز تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية، ترسّخ الهوية الإسلامية؛ بعيداً عن التأثيرات القومية والتقاليد الموروثة.

 

الهوامش والاحالات :

(*) المدير العام لجمعية أواسا – بريتوريا - جمهورية جنوب إفريقيا.

(1)  تاريخ الإسلام في جنوب إفريقيا (The History of Islam in South Africa – A Chronology)، ص5.

(2)  بين الطموحات والتحديات..: الإسلام في جنوب إفريقيا، فاطمة محمد البغدادي، الرابط:

http://www.almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=370&Model=M&SubModel=138&ID=643&ShowAll=On

(3) الإمام عبدالله هارون: وُلد في 8 فبراير 1924م، بمنطقة نيولاندز – كليرومنت، في الأحياء الجنوبية لمدينة «كيب تاون»، وتلقّى تعليمه الابتدائي في مدرسة الفلاح، وسافر إلى مكة المكرمة لتلقّي العلوم الإسلامية، حيث درس على يد الشيخ عبدالرحمن العلوي المالكي (ت 1986م)، وبعد عودته استكمل دراساته على يد الشيخ عبدالله طه جمال الدين، والشيخ إسماعيل غانيف. يُعدّ الإمام عبدالله هارون أحد رموز النضال الإسلامي ضدّ نظام التفرقة العنصرية. ويرى كثيرٌ من الكتّاب أنّ مشاركة الجماعة المسلمة في جنوب إفريقيا في حركة النضال ضدّ نظام الفصل العنصري قد تجاوزت حجمها؛ من حيث كونها أقلّية. انظر:

Ursula Gunther, The memory of Imam Haron in Consolidating Muslim Resistance in Apartheid Struggle in Mitchell, Gordon. ed. Religion and the Political Imagination in a Changing South Africa. Münster; München (u.a.): Waxmann, 2002.pp.89-90.

(4)  دراسة: الحركة الإسلامية في جنوب إفريقيا، عبدالقادر طيوب، مركز المسبار للبحوث والدراسات،

http://www.almesbar.net/الحركة-الإسلامية-في-جنوب-إفريقيا/#_ftn3

(5)  الدكتور فريد إسحاق: وُلد عام 1959م، وترعرع في «كيب تاون»، وينتمي إلى جذورٍ آسيوية، حيث تنتمي عائلته إلى أرخبيل المالاي، وقد صُنِّف وفقاً لنظام الفصل العنصري باعتباره ملوّناً، ولعلّ تلك النشأة، في وسط نظام القهر العنصري، جعلته أكثر وعياً بسياقه المجتمعي والثقافي، وقد تخرّج في الجامعة الإسلامية العالمية في كراتشي، وقد أكمل إسحاق درجة الدكتوراه في تفسير القرآن بجامعة برمنغهام (بريطانيا).

(6)  نسبةً إلى عبد القادر الجيلاني، الذي نسبوه إلى مذهبهم البدعي ظلماً وزوراً؛ وإلا فقد كان- رحمه الله- إماماً من أئمة السنّة.

(7)  كلمة «زبير بيات» في دربان.

 

 

كتاب الموقع