أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الأبعاد الاجتماعية لسياسات بناء السدود الكينية

د.رشا السيد عشري

كاتبة وباحثة مصرية ، متخصصة في الشأن الافريقي

أثَّرت سياسات بناء السدود الكينية على الأبعاد الاجتماعية للسكان إيجابًا وسلبًا، لا سيما القبائل التي تحتفظ بنمط الحياة البدائي، والذي يُمثّل جزءًا من نمط الحياة الريفية داخل الدولة؛ حيث تعرَّضت تلك القبائل للضرر نتيجة السياسات التي حدَّت من استمرار بقائها، وتعتبر قبيلة ماساي من أكثر القبائل التي أثَّرت عليها سياسات بناء السدود بالإيجاب تارةً، وبالسلب تارةً أخرى.

نظام السدود وأثره على نشاط الماساي:

تُعَدّ قبيلة ماساي من أشهر القبائل الموجودة ليس فقط في كينيا، بل في إفريقيا، وهي مجموعة عرقية تستوطن قرب بحيرة توركانا، وتقع جغرافيًّا في مناطق منابع النيل؛ حيث تمتد فروعها في تنزانيا أيضًا؛ وبالرغم من تأثر بعض القبائل الكينية بأسلوب الحياة الغربي الحديث، إلا أن نمط المعيشة لدى ماساي يشبه ذلك النمط من الحياة البسيطة منذ آلاف السنين القائم على العادات البدائية، والعمل بحرفة الرعي؛ فالرعاة (الماساي)، يربُّون الماشية والماعز والأغنام، وينقلونها موسميًّا من مكانٍ لآخر؛ بحثًا عن الماء والمراعي الخضراء، لذلك تُعتبر الماشية جزءًا مهمًّا في حياة تلك القبيلة(1).

وقد أثَّر نمط السدود الكينية -سواء المتهالكة، أو التي يتم بناؤها من جديد- على نمط الحياة لدى تلك القبائل، فكان بناء بعضها له تأثير في القضاء على الكثير من مراعيها وثرواتها الحيوانية، وكذلك نظرًا للتأثيرات الكارثية الناجمة عن عمليات التسرب التي تؤدي إلى فيضانات عارمة أو انهيار أبنيتها المتهالكة، وقد أدَّت تلك التأثيرات السلبية إلى حدوث تغيُّرات في النظام الإيكولوجي لدى الغابات التي تعتمد عليها تلك القبائل في الرعي في ظلّ شحّ المياه وتزايد عمليات التصحُّر، وعوامل تغيُّر المناخ التي أثَّرت هي الأخرى بالسلب على نمط حياتهم(2).

سياسات الدولة أيضًا نحو التنمية أثَّرت بشكلٍ كبيرٍ على تلك القبائل؛ فالنمو السكاني واستراتيجيات التنمية التي تقوم على البناء بإنشاء الطرق والمشروعات السياحية على مساحات شاسعة من أراضيهم، وعلى خط سير الرعي لماشيتهم، فضلاً عن عواقب الاستيلاء على الأراضي من قبل هيئات وشركات قوية لعدة عقود، مما زاد التنافس بين المزارعين المجاورين على الأرض نتيجة فقدان أراضيهم(3)، ناهيك عن التعرُّض المتكرر لظروف الجفاف والمجاعات، كل ذلك أدَّى إلى أضرار كبيرة لهم، تمثّلت في تهجيرهم، وازدياد فُرَص انخفاض أعدادهم، وانقراض ثقافتهم؛ وذلك نتيجة عدم توفُّر السُّبُل التي تَحمي تلك المناطق من الجفاف، من خلال بناء السدود الخالية من عيوب تخزين المياه في أوقات الفيضان، وكذلك من خلال السياسات التنموية التي لا تؤثر سلبيًّا على البُعد الاجتماعي لتلك القبائل(4).

سياسات الدولة وأثرها على التغير الإيكولوجي:

من ناحية أخرى استندت سبل عيش القبائل التقليدية على صيد الحياة البرية، وتربية النحل، وجمع الأغذية والأدوية من الغابات، خاصةً مع امتلاك أراضي الغابات من طرف قبائل عديدة مثل أوجيك Ogiek، والتي حافظت على علاقات التبادل والزواج مع قبائل ماساي، لذلك كان إزالة الغابات وتجريفها لها دور في التأثير أيضًا على النظام الاجتماعي لتلك القبائل، والتي عمدت الحكومة لطرد العديد منها بدعوى عدم وجود عقود ملكية قانونية، كما زاد التدهور الاجتماعي-البيئي بسبب فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن تحويل الغابات إلى مزارع أحادية الخصوصية (في حالة إنتاج الأخشاب). يأتي هذا النمط الثاني لتدهور الغابات من الإقصاء المادي والسياسي للمجتمعات التقليدية التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، ونهب الموارد الطبيعية الذي تقوم به البلدان الخارجية ونُخَب السلطة الوطنية(5).

على صعيد آخر كان لبناء السدود الإثيوبية على بحيرة توركانا آثار سلبية أيضًا على القبائل الواقعة حول البحيرة؛ حيث أدت تلك السدود إلى تراجع تدفقات المياه على تلك البحيرة، ومن ثم التأثير على المراعي التي تُمثّل العماد الاقتصادي لتلك القبائل، ناهيكَ عن اضطرار أكثر من 50 ألفًا من قبائل توركانا للرحيل من المنطقة، نتيجةَ التوقُّع بغرق أراضيهم من ناحية أخرى.

ونتيجةً لتلك السياسات التعسُّفية؛ سواء بإزالة الغابات أو القضاء على المراعي لبناء المشاريع التنموية، فضلاً عن عمليات تغير المناخ التي أدت إلى زيادة الاحتباس الحراري، ومن ثم سخونة الأرض، وتزايد عمليات التصحر؛ فقد أُجبرت تلك القبائل على النزوح إلى الأماكن الحضرية، والعمل بوظائف مدنية، والتخلّي عن حرفة الرعي، التي تعتبر مصدرًا للثروة الحيوانية، وهو ما يؤثر على الأمن الغذائي للدولة، مع تراجع مستوى التعليم في تلك القبائل نتيجة تراجع حرفة الزراعة والرعي، وقلة عدد الحيوانات خاصة الأبقار، ومن ثَمَّ انخفاض مستوى الدخل والمعيشة. ممَّا أجبَر الحكومة على العدول عن سياستها تجاه تلك القبائل، خاصةً وأنها تُمثّل مصدرًا مهمًّا للأمن الغذائي، ومن ثَمَّ شرعت الدولة في القيام بالعديد من الاستراتيجيات التنموية التي تحافظ على المستوى البيئي والاجتماعي لتلك القبائل، وتُحقّق توازنًا في الإدارة التنموية للسكان.

لذلك ساعدت الحكومة الكينية قبائل ماساي في التكيُّف مع تغيُّر المناخ، وتقديم خطط من شأنها تعزيز الزراعة الرعوية في هذه المنطقة؛ حتى لا تؤثر على الأمن الغذائي للدولة، وتزيد من أضرار سوء التغذية، وكذلك على نسبة الدخل لتلك القبائل(6).

من ناحية أخرى كان الشروع في بناء سد على نهر إواسونجيرو في شمال البلاد في مقاطعة إيسولو، والذي يمد ثلاثة ملايين نسمة بالمياه، بالإضافة لمشاريع الري الأخرى في مقاطعتي سامبورو ولايكيبيا المجاورتين، قد أثار مزيدًا من المخاطر نتيجة نقص تدفق المياه إلى النهر، وتقليص مساحة المراعي التي تعتمد عليها الكثير من الماشية، وتزايد الصراع بين القبائل على الأراضي المتبقية، وذلك بالرغم من توفُّر الطاقة الكهربية من هذا المشروع لكافة المقاطعة، واستفادة 180 ألف شخص آخر بشكل مباشر من السد بحلول عام 2036م. ومن ثَمَّ يُعتبر التحدّي الأمثل لهذه الاستراتيجية هو غياب التوعية الوطنية نحو أهمية هذه المشروعات ومدى استفادة المناطق منها، في ظل افتقاد التوازن بين بناء السدود والاستفادة من تدفقات الأنهار بشكلٍ لا يؤثر أحدهما على الآخر(7).

استراتيجية بناء السدود الرملية ودورها الاجتماعي:

تتبنَّى الدولة استراتيجية بناء السدود الرملية في بعض المقاطعات الأخرى، التي أثَّرت على نمط الحياة بتعزيز الاندماج في المجتمع، خاصةً في ظل المشاريع الدولية التنموية؛ ففي مقاطعة لايكيبيا، أدَّت ندرة المياه والمراعي وانخفاض سقوط الأمطار والجفاف المتزايد إلى نزاع مجتمعي ونزوح داخلي بين قبائل ماساي، بالإضافة إلى أنَّ الوصول إلى الخدمات التعليمية والصحية يمثل تحديًا متزايدًا، ناهيك عن عدم وجود نظام متكامل لإدارة الموارد المائية في المنطقة.

 ومن ثَمَّ كان مشروع لوكيري Lekurruki Conservancy أحد أهم مشروعات البنية التحتية لحماية البيئة وزراعة الأشجار، وهو منحة من حكومة آيل أوف مان؛ حيث موَّل المشروع ستة سدود رملية لأهميتها في توفير مصادر مياه جديدة في المناطق المختلفة، وتحسين القدرة التشغيلية في بناء السدود، وتقنيات الزراعة المستدامة، وإدارة الموارد المائية، واستكشاف جدوى حماية الينابيع الطبيعية في منطقة ليكوروكي، وتوفير أحواض للحيوانات ونقاط مياه منزلية لفصل استخدام المياه للسكان والحيوانات، وذلك منذ عام 2014م، والتي عملت على حماية المراعي وزيادة مساحتها، والتقليل من حدّة الجفاف من خلال الإدارة الكاملة للموارد المائية والأراضي، وزيادة الدخل من الثروة الحيوانية، والعمالة في أنشطة إدارة الموارد المائية والسياحة(8).

من ثم كان تعزيز البنية التحتية وإقامة العديد من المشاريع التنموية، لا سيما بناء السدود الرملية؛ قد انعكس بالإيجاب على الوضع الاجتماعي للقبائل في العديد من المقاطعات، والتي تمثلت في(9):

1-توفير الوقت؛ حيث كان السكان يهدرون أوقاتًا كثيرة في جلب المياه قبل بناء السدود.

2-زيادة أعداد الماشية نتيجة انخفاض بيعها، وهو ما مثَّل استراتيجية اقتصادية مكَّنت القبائل من شراء الطعام في أوقات الجفاف الشديد ونقص الغذاء، وانتعاش الدخل لديهم.

3-ارتفاع مستوى التعليم في المناطق التي بها سدود؛ وذلك بسبب توافر الوقت، وانتعاش الحالة الاقتصادية، التي عادت على الأسر بارتفاع مستويات الدخل مع الانتظام في المدارس لا سيما الفتيات من تلك القبائل، فضلاً عن انخفاض نسبة الأمراض (التي تمثلت في الملاريا ونزلات البرد والسعال).

4-زيادة الترابط المجتمعي، وذلك من خلال زيادة وسائل الاتصال (التي تمثلت في الراديو والهاتف المحمول والتلفزيون) وغيرها، مع زيادة المواد الصناعية التي عززت من البنية التحتية؛ مثل المولدات واللوحات الشمسية، وخزانات المياه، وغيرها.

مازال هناك تحديات تواجه استراتيجيات تعزيز التنمية والحفاظ على النظام الإيكولوجي والنمط الاجتماعي لبعض القبائل التي تُمثّل قوة اقتصادية، وعلى الرغم من المنافع التي تجلبها السدود؛ إلا أنه لا توجد مساواة في تقاسم هذه المنافع؛ وذلك لأنه لا توجد قواعد حول كيفية تقسيم المياه بين الأُسَر، ما يؤدّي إلى نشوب نزاعٍ في بعض الأحيان، وظهور مشكلات على المستقبل القريب نتيجة تزايد استهلاكها، لذلك تحاول الدولة مجابهة هذه الإشكالية.

على صعيد آخر نجد أن السدود الإثيوبية في الحالة الكينية (جيبي الثالث) تنذر أيضًا بصراع متعدّد الأوجه:

 أحدها: صراع نتيجة الاستحواذ الإثيوبي على حقوق كينيا من المياه في بحيرة توركانا، وقد حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن السدّ الإثيوبي الذي بُنِيَ على نهر أومو يقطع إمدادات المياه عن بحيرة توركانا شمال كينيا، والتي تستمد مياهها من النهر بنسبة 80%، بالإضافة لمزارع السكر، التي تسببت في نقصان البحيرة بمعدل 1,5 متر عن مستوياتها السابقة منذ بدأت إثيوبيا في ملء السد في 2015م، ما يؤثِّر أيضًا على الحياه الاجتماعية لسكان المنطقة؛ نتيجة تهميشهم، وتراجع حرفة الصيد التي يعيش عليها نسبة كبير من سكان المنطقة(10).

ثانيها: انتهاك الموارد الطبيعية بتقليص الثروة الحيوانية والزراعية بالقضاء على المراعي، ومد مشاريع البنية التحتية على مساحة الأراضي الزراعية.

 ثالثها: التغاضي عن التأثير السلبي لبناء السدود الإثيوبية على النظام الإيكولوجي والاجتماعي لكينيا؛ نتيجة الحصول على امتيازات تتمثّل في مدّ شبكة الكهرباء داخل الدولة، وهو ما يعزّز عدم الاستقرار الداخلي نتيجة تصاعد المعارضة الرافضة لتلك السياسات، بل وستزيد من الموقف المتصاعد السلبي تجاه دول المصبّ في ملف قضية مياه النيل.

خلاصة القول: اعتبرت السدود الرملية من أهم أنواع السدود التي شرعت كينيا في بنائها، والتي أثَّرت بشكل إيجابيّ على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان، وبالتالي تظل الاستراتيجية المتوازنة في استغلال تلك السدود والحيلولة دون خطرها هو التحدِّي الأول للدولة.

من ناحية أخرى نجد أن الافتقار لاستراتيجية قائمة على التوازن بين المشاريع القومية للدولة وأولوياتها في ضمان استمرار الحياة المعيشية لصغار المنتجين والجماعات التي تعيش على القطاع الزراعي والرعوي؛ قد أدَّى إلى حدوث تعارُض في المصالح القومية التي نتج عنها كوارث بيئية واجتماعية واقتصادية؛ ولذلك فإن محاولة الدولة تفعيل استراتيجيات وقائية قد تَحُول دون وُقُوع المزيد من الكوارث البيئية والاجتماعية، ويُعزّز من دورها على الصعيد الإقليمي والدولي؛ حيث تتحقق تلك الرؤى مع تبنّي الدولة سياسة قوامها تعزيز الدور التوعوي باستخدام الأداة الإعلامية حول أهمية المشروعات القومية وآثارها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع والهوامش

 (1) Britannica library, Kenya, Encyclopedia Britannica, N.D.

http://08107qgzo.1103.y.https.library.eb.co.uk.mplbci.ekb.eg/levels/student/article/Kenya/275253

 (2) Heroes and Friends, maasai culture threatened with extinction by climate change, Inter Continentalcry, October 24, 2017.

https://intercontinentalcry.org/maasai-culture-threatened-extinction-climate-change/

(3) د. أشرف فؤاد عثمان أدهم، " شعب ماساي" أشهر الرعاة في إفريقيا، مجلة قراءات إفريقية، 1-2- 2018م: https://cutt.us/0kZyQ

(4) Heroes and Friends, Loc.cit.

(5) Stefania Albertazzi and others, Relations of power driving tropical deforestation: a case study from the Mau Forest (Kenya), National Committee of Geography of Belgium, Feb 2018.

https://journals.openedition.org/belgeo/24223

(6) tina armstrong-ogbonna, the threat to the maasai people,

world pulse, November 11, 2011 

https://www.worldpulse.com/community/users/tina-armstrong-ogbonna/posts/18778

see: Kenya's Masai traditions threatened by climate change, The guardian, Nov 2011.

https://www..com/world/gallery/2011/nov/24/kenya-masai-climate-change

(7) Robert Wanjala, New Dam Causing Ripples in Northern Kenya, Institute for War and Peace Reporting, 16 September 2014. 

https://www.refworld.org/docid/5423f8174.html

 (8) Christine Whinney, Creating sustainable lives for people and wildlife in the Northern Rangelands, Kenya, Excellent Development Programs (Nairobi: Excellent Development Programs , July 2018).

(9) S. Brouwer, MSc., An Assessment of the Social and Economic Effects of the Kitui Sand Dams, Institute for Environmental Studies (Nairobi: Institute for Environmental Studies, No.1, 2008), p,40-42.

(10) عبد الأمير رويح، حرب السدود: صراع استراتيجي على ضفاف السلام، شبكة النبأ المعلوماتية، 15 تموز 2017م: https://annabaa.org/arabic/reports/11775

كتاب الموقع